رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦٠
تصريحات وإشارات إلى ذلك، لكن أثرها بين غير قابل للتغيير، كالبُله والحُمق والبلادة، وبين قابل له في ظلّ عوامل تربوية، ولأجل ذلك ربما يكون الولد المتولّد من أبوين بارّين، خائناً وجانياً، كما ربما يكون الولد المتولّد من أبوين طاغيين، إنساناً صالحاً مطيعاً، والأوّل كولد نوح، والثاني كعمر بن عبد العزيز الأموي.
ومثله العامل الثاني، فليس عاملاً حتميّ الأثر وقطعيّ النتيجة، فربّما يسعى الوالدان، لتغيير ما أوجده التعلّم من الآثار الطيّبة أو الخبيثة.
ولا يقلُّ عنه العامل الثالث، فقد أثّرت البيئة الفاسدة على امرأة نوح وامرأة لوط، فأفسدتهما[١]وفي الوقت نفسه بقيت في بيت نوح عدّة على صلاحهم وفلاحهم. فهذه العوامل بأجمعها معدّات، لا علّة تامّة في بناء الشخصية الحتمية غير القابلة للتغيير.
ثانياً: أنّ العوامل المكوِّنة للشخصية الإنسانية لا تنحصر في العوامل الثلاثة المذكورة التي اختارها المادي، لأنّها تناسب ما يبتغيه، كيف وانّ هناك أبعاداً روحية للإنسان وأحاسيس خاصة، توحي إليه خير الحياة وتدفعه إليها، بحماس، وإن لم يكن علّة تامة أيضاً في التخطيط، وهي عبارة عن الإدراكات النابعة من داخل الإنسان وفطرته من دون أن يتدخل في الإيحاء عامل خارجي، كإحساسه بالجوع والعطش، ورغبته في الزواج في سنين معيّنة، والاشتياق إلى المال والمنصب في فترات من حياته وميله إلى ما هو حسن بالذات وهروبه عمّا هو قبيح كذلك، كالإحسان والأمانة والوفاء بالميثاق، وفي مقابله الظلم، والخيانة، ونقض العهد.تلك المعارف ـ و إن شئت سمّيتها بالأحاسيس ـ تنبع من ذات الإنسان وأعماق وجوده.
[١] لاحظ سورة التحريم، الآية ١٠