رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٩٧
يحيى بن معين قال: كتبنا عن الكذّابين وسجّرنا به التنّور فأخرجنا به خبزاً نضيجاً، ولما توفّـي يحيى بن معين في مدينة الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وحمل على نعش، فرأيتهم ينادون: معاشرُ الناس هذا ذابُ الكذب عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كذا وكذا عاماً.[١]
وما ذكرناه هذا هو الذي خرج من قلم هؤلاءعفواً، ولو كانوا بصدد رفع الستر عن الواقع لوقفت انّ الدجل والكذب والوضع شيمة كثير من الرواة والمحدّثين، غير انّ حبّ الستر حال دون بيان الحقائق.
قال الذهبي: ثمّ من المعلوم أنّه لابدّ من صون الراوي وستره، ...ولو فتحت على نفسي تليين هذا الباب لما سلم معي إلاّ القليل، إذ الأكثر لا يدرون ما يروون، ولا يعرفون هذا الشأن، إنّما سُمِّعوا في الصغر، وأُحتيج إلى علوّ سندهم في الكبر، فالعمدة على من قرأ لهم، وعلى من أثبت طباق السماع لهم، كما هو مبسوط في علوم الحديث.[٢]
ويقول أيضاً في كتاب «معرفة الرواة المتكلم فيهم»: لو فتحنا هذا الباب (جرح الأئمّة) على نفوسنا، لدخل فيه عدّة من الصحابة والتابعين والأئمّة، فبعض الصحابة كفّر بعضَهم .[٣]
فإذا كتم الحاكم النيسابوري أسامي من دلّس من أئمّة المسلمين، صيانة للحديث، ومنع صونُ الراوي وستره، الباحثَ الكبير مثلَ الذهبي، عن الإصحار بالحقيقة، أو تليين هذا الباب ـ على حدّ تعبيره ـ فهل تبقى ثقة بالصحاح والمسانيد والسنن؟!
[١] المجروحين لابن حبان، ص ٥٦.
[٢] ميزان الاعتدال: ١ / ٤ .
[٣] معرفة الرواة: ٤٥ .