رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٩٢
إنّ القرآن الكريم يُشيد بالوحدة، واتّفاق الكلمة والاعتصام بالعروة الوثقى، ورفض التشتّت والتفرّق، ويندِّد بالاختلاف والفرقة، يقول سبحانه: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَ لاَ تَفَرَّقُواَ).[١]
فهذا المقطع من الآية الكريمة بإيجازها يتكفّل بيان أمرين:
١. يأمر بتوحيد الكلمة والاعتصام بحبل اللَّه .
٢. يزجر عن التفرّق والتشتّت.
وهذان الأمران من الوضوح بمرتبة لا يختلف فيهما اثنان.
ومع الاعتراف بذلك كلّه فاختلاف الكلمة إنّما يضرّ إذا كان صادراً عن ميول وأهواء، فهذا هو الّذي نزل الكتاب بذمّه في غير واحدة من آياته، يقول سبحانه:(إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَ كَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيء)[٢] ، ويقول: (وَ لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَ اخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ)[٣]فهؤلاء اختلفوا بعدما تمّت عليهم الحجة وبانت لهم الحقيقة، فهذا النوع من الاختلاف آية الأنانية أمام الخضوع للحقائق الراهنة.
وأمّا إذا كان الاختلاف موضوعياً نابعاً عن حبّ تحرّي الحقيقة وكشف الواقع، فهذا أمر ممدوح، وأساس للوصول إلى الحقائق المستورة، وإرساء لقواعد العلم ودعائمه .
إنّ الاختلاف بين الفقهاء أشبه بالخلاف الّذي وقع بين نبيّين كريمين: داود وسليمان ـ على نبينا وآله وعليهما السلام ـ في واقعة واحدة حكاها سبحانه في كتابه
[١] آل عمران:١٠٣.
[٢] الأنعام:١٥٩.
[٣] آل عمران:١٠٥.