رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٨٣
٣. تحذيره العلماء من التردد على بلاط السلاطين
إنّ الشهيد الثاني يحذّر العلماء من التردد على بلاط السلطة الحاكمة، والخضوع لها ويقول: يجب أن يكون العالم عفيف النفس، عالي الهمة، منقبضاً عن الملوك وأهل الدنيا، لا يدخل إليهم طمعاً، ما وجد إلى الفرار منهم سبيلاً، صيانة للعلم عمّا صانه السلف. فمن فعل ذلك، فقد عرض نفسه وخان أمانته، وكثيراً ما يثمر عدم الوصول إلى البغية وإن وصل إلى بعضها لم يكن حاله كحال المتعفّف المنقبض، وشاهده مع النقل، الوجدان.
قال بعض الفضلاء لبعض الأبدال: ما بال كبراء زماننا وملوكها لا يقبلون منّا، ولا يجدون للعلم مقداراً، وقد كانوا في سالف الزمان بخلاف ذلك؟
فقال: إنّ علماء ذلك الزمان كان يأتيهم الملوكُ والأكابر وأهل الدنيا، فيُبذلون لهم دنياهم ويلتمسون منهم علمهم فيبالغون في دفعهم وردّ مُنّتهم عنهم، فصغرت الدنيا في أعين أهلها وعَظُم قدر العلم عندهم، نظراً منهم إلى أنّ العلم لولا جلالته ونفاسته ما آثره هؤلاء الفضلاء على الدنيا ولولا حقارة الدنيا وانحطاطها لما تركوها رغبة عنها.
ولما أقبل علماء زماننا على الملوك وأبناء الدنيا وبذلوا لهم علمهم التماساً لدنياهم، عَظُمت الدنيا في أعينهم، وصغر العلم لديهم لعين ما تقدّم.
وقد سمعت جملة من الأخبار في ذلك سابقاً، كقول النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : الفقهاء أُمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا، قيل: يا رسول اللّه! وما دخولهم في الدنيا، قال: اتّباع السلطان، فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دينكم.[١]
ثمّ إنّ الشهيد يحدد هذه الظاهرة الاجتماعية ويفصّل المذموم عن الممدوح،
[١] منية المريد:٦٤.