رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٣٤
المعنى الثالث
ما اختاره كثير من المفسّرين هو حمل النفي على النهي والغاية هو النهي عن الأُمور الثلاثة، وعندئذ يتوهّم المستدلّ أنّ ظاهر الآية هو النهي عن مطلق الجدال ومنه المظاهرات السياسية.
غير أنّه يجب على المريد للحقيقة وقفة قليلة حتّى يتبيّن أمران:
١. إنّ الجدال ينقسم إلى محرّم ومباح ومندوب، فهل المنهيّ عنه هو مطلق الجدال أو يختصّ بالقسم الأوّل منه؟ وكونه محرّماً في غير الحجّ يلازم كونه محرّماً فيه أيضاً، بل تكون الحرمة أشدّ.
٢. إنّ المظاهرات السياسيّة، وإلقاء الخطب، وإيقاظ المسلمين عن غفلاتهم، وإظهار البراءة من أعدائهم الشرقيّين والغربيّين، هل هي من مصاديق الجدال وموارده أو لا صلة لها بذلك أبداً؟ وإليك بيان الأمرين:
إنّ المراد بالجدال هنا هو المراء الذي يجب الاجتناب عنه في الحجّ وغيره، ولكنّه في الحجّ أولى.
قال الزمخشري:
«ولا جدال: أي ولا مراء مع الرفقاءوالخدم والمكارين، وإنّما أمر باجتناب ذلك، وهو واجب الاجتناب في كلّ حال، لأنّه في الحجّ اسمج كلبس الحرير في الصلاة ، والتطريب في قراءة القرآن».[١]
وقال في المنار:
«الجدال: المراء والخصام، فتكون هذه المناهي كلّها آداب لسانية، ويجب أن
[١] الكشاف:١/٢٦٣.