رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٣٢
والمظاهرات على فرض كونها جدالاً[١] حراماً ليست مفسدة للحجّ بالضرورة.
المعنى الثاني
التفريق بين الأُمور الثلاثة بحمل الأوّلين على النهي، وإن كان عدولاً عن ظاهر اللفظ أي: لا ترفثوا ولا تفسقوا، وحمل الثالث على الخبر، أي أنّه لا جدال ولا خلاف في وقت الحجّ ومكانه، وعلى هذا فالمراد: لا جدال ولا خلاف في وقت الحجّ ومكانه، وهذا المعنى هو الّذي أصرّ عليه ابن جرير الطبري في تفسيره[٢] وذكره الزمخشري[٣] واستشهدا عليه بوجهين:
الأوّل: إنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ـ قال: «مَن حجّ للّه ولم يرفث ولم يفسق رجع كهيئته يوم ولدته أُمّه» ولم يقل «ولم يجادل» و في هذا دلالة على أنّ الأوّلين بمعنى النهي عن الرفث والفسوق، دون الثالث، وإلاّ كان عليه عطف الثالث عليهما بصورة النهي، بل هو بمعنى الخبر ونفى من اللّه جلّ وعزّ عن شهور الحجّ الاختلاف في وقته ومكانه الذي كانت الجاهلية تختلف فيها بينها.
الثاني: إنّ قريشاً كانت تخالف سائر العرب فتقف بالمشعر الحرام وسائر العرب بعرفة، وكانوا يقدّمون الحجّ سنة ويؤخّرونه سنة وهو المعروف بـ«النسيء» فردّ إلى وقت واحد، وردّ الوقوف إلى عرفة، فأخبر اللّه تعالى أنّه قد ارتفع الخلاف في الحجّ، وقد أخبر اللّه عن النسيء بأنّه (زيادة في الكفر يضلّ به الذين كفروا يحلّونه عاماً ويحرّمونه عاماً).[٤]
[١] سيوافيك انّ إعلان البراءة ليس من مصاديق الجدال.
[٢] تفسير الطبري:٢/١٦٢.
[٣] تفسير الكشاف:١/٢٤٦.
[٤] التوبة:٣٧.