رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٩٢
الأَنْعامِ) [١] فكانت الغاية من دعوة كلّ راجل وراكب إلى الاجتماع في أيّام الحجّ خصوصاً في المواقف و المشاهد، حيازة المنافع الكبيرة التي يحتوي عليها الحجّ. فما جاء في الآية تعبير جامع يتضمن كلّ نفع يرجع إلى المسلمين في ذلك الملتقى، ولا يصحّ لنا تخصيصه بالنفع المعنوي بإخراج النفع المادي، أو تخصيصه بنفع دون نفع، ففي ذلك الوفود إلى اللّه سبحانه منافع كثيرة يصطادها المسلمون حسب قابلياتهم وصلاحياتهم.
هذا ما لخّصناه للقارئ الكريم من الذكر الحكيم،وأمّا السنّة الشريفة فيكفي في ذلك انّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أمر الإمام عليّاً ـ عليه السَّلام ـ بأن يتلو آيات البراءة في يوم الحجّ الأكبر. قال سبحانه: (وَأَذانٌ مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَريءٌ مِنَ الْمُشْرِكينَ وَرَسُولُهُ...)[٢] وهل يشك ذو مسكة في أنّ البراءة ورفع الأمان عن المشركين وإمهالهم أربعة أشهر عمل سياسي قام به قائد الإسلام أيّام رسالته وازدهار دعوته، حتى يكون ذلك قوّة للمسلمين في الأجيال اللاحقة؟
هذا هو الإمام الطاهر الحسين بن علي عليمها السَّلام أطاح بطاغية عصره ففضحه بعرض جناياته وأعماله المخزية على الصحابة الكرام والتابعين لهم بإحسان في موسم الحجّ في أرض منى، وقد اجتمع تحت منبره قرابة ثمانمائة منهم، وأبان في خطابه موقف أهل البيت من الإسلام، ثمّ ذكر مظالم الجهاز الأموي الحاكم، وطلب من الجميع أن يحملوا خطابه وهتافه إلى إخوانهم وأوطانهم حتى يقفوا على فداحة الكارثة التي ألمّت بهم من جـراء تسلّم بني أُمية لمنصة الحكم، وقد جاءت خطبته في كتب السير و التاريخ، فمن أراد فليرجع إليها.
وبعد ذلك انّ في سيرة المسلمين لدليلاً واضحاً على أنّ الحجّ ملتقى سياسي
[١] الحج: ٢٨ .
[٢] التوبة: ٣.