رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٩
٢. لأنّه كلّف أبا لهب بالإيمان، ومن الإيمان تصديق اللّه تعالى في كلّ ما أخبر عنه، وممّا أخبر عنه أنّه لا يؤمن، فقد كلّفه بأن يؤمن بأنّه لا يؤمن، وهو تكليف الجمع بين الضدين.[١]
يلاحظ عليه: أنّ الرازي تصور انّه قد وقف على دليل حاسم في المقام، فاستدلّ بما ذكرته المجبرة قبله بقرون وأجابت عنه العدلية بوجوه، وقال الرازي في بعض كلماته: لو اجتمعت جملة العقلاء لم يقدروا على أن يوردوا على هذا الوجه حرفاً إلاّ بالتزام مذهب هشام وهو انّه تعالى لا يعلم الأشياء قبل وقوعها.[٢]
أقول: إنّ ما نسبه إلى هشام بن الحكم فرية عليه كما أوضحناه في محله[٣] ، وإليك الإجابة عن الدليلين الأوّلين، أمّا الدليل الأوّل فلأنّ علمه الأزلي لم يتعلّق بصدور كلّ فعل من فاعله على وجه الإطلاق، بل تعلّق علمه بصدور كل فعل عن فاعله حسب الخصوصيات المتوفرة فيه.
وعلى ضوء ذلك فقد تعلّق علمه الأزلي بصدور الحرارة من النار على وجه الجبر، بلا شعور، كما تعلّق علمه الأزلي بصدور الرعشة من المرتعش، عالماً بلا اختيار، ولكن تعلّق علمه سبحانه بصدور فعل الإنسان عن اختيار منه، فتعلّق علمه بوجود الإنسان وصدور فعله منه اختياراً، يؤكِّد الاختيـار ويدفع الجبر عن ساحة الإنسان.
وإن شئت قلت: إنّ العلّة إذا كانت عالمة شاعرة، ومريدة ومختارة كالإنسان، فقد تعلّق علمه بصدور أفعالها منها بتلك الخصوصيات وانصباغ
[١] المحصل: ١٥٣، ط دارالفكر; نقد المحصل: ٣٣٩، ط طهران.
[٢] شرح المواقف: ٨/١٥٥.
[٣] لب الأثر في الجبر والقدر:١٥٠