رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٥٣
فالخالق الذي أبدع المخلوق من خلايا لا حصر لها وركّب أجزاء بدنه على اختلافها، من المسلّم أنّه أعلم من الآخرين بما خفي وظهر من حاجات مخلوقه وبمصالحه ومفاسده; فهو تعالى بعلمه محيط بعلاقات الأفراد ونتائجها والواجبات التي تمثل مصدراً لانسجام المجتمع، والحقوق التي يستحقها كلّ إنسان.
ولا يتوفر الشرط الثاني ـ الذي هو عبارة عن التجرّد عن النفعية أثناء وضع القانون ـ إلاّ في الذات الإلهية المقدسة، وذلك لاستغنائه تعالى عن أية منفعة لدى المجتمع البشري ونزاهته عن كلّ أنواع الغرائز لا سيما غريزة حبّ الذات، في حين أن بني الإنسان بأسرهم تستحوذ عليهم ـ إلى حدّ ما ـ نزعة الأنانية، وهي الآفة التي تهدد سلامة التقنين، ومهما حاولوا الانعتاق من مخالب هذه الشهوة، نجدهم يقعون فيها من جديد.
نقدّم بعد هذا التمهيد شرحاً للموضوعات التالية:
أُسلوب التشريع في الحكومة الإسلامية
ليس هنالك ـ في نظر القرآن ـ من مُقنّن أو مشرّع سوى اللّه سبحانه، سواء أكانت الجهة المقنّنة فرداً أم جماعة، أمّا الآخرون ـ كالفقهاء والعلماء ـ فإنّهم بمثابة خبراء بالقانون ويضطلعون بمهمة بيان الأحكام الإلهية من خلال الرجوع إلى مصادر التشريع.
يتّضح من خلال استقراء الآيات القرآنية، أنّ التقنين أو التشريع مختصّ باللّه سبحانه وحده، ولا توجد في النظام التوحيدي حجّة على نفوذ رأي شخص في حقّ شخص آخر، ولا حقّ لأحد في فرض آرائه على الفرد أو المجتمع، أو