رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٥٢
الحكومة في الإسلام
جرى بنا القول على نحو الإجمال أنّ المشرّع إنّما يريد من خلال سنّه للتعاليم الفردية والاجتماعية توجيه المجتمع نحو الكمال وتوفير السعادة المادية والمعنوية لأفراده عن طريق تحديد واجباتهم وتأمين حقوقهم.
ومن هنا يجب أن يتوفر في المشرّع، الشرطان التاليان:
١. أن يكون على معرفة بالطبيعة الإنسانية: فإذا كان الهدف من التقنين هو تأمين حاجات الإنسان الجسدية والروحية، فلابدّ والحالة هذه من أن يكون المقنّن عارفاً على نحو الدقة بكلّ خفايا الإنسان ببعديه الجسدي والروحي، وبعبارة أُخرى على المشرّع أن يكون على معرفة دقيقة بالطبائع الفردية والجماعية.
٢. النزاهة من النوازع النفعية: يستلزم التحلّي بالرؤية الواقعية وصيانة مصالح المجتمع أن يكون المشرّع مجرداً من كلّ أنواع الأنانية والنفعية عند وضعه للقانون; إذ إنّ غريزة حب الذات تخلق حاجزاً كثيفاً أمام البصيرة، والإنسان مهما كان عادلاً ومنصفاً و واقعياً في رؤيته فلابدّ من أن يقع تحت تأثير نوازع الأنانية وحبّ الذات.
علينا أن نبحث أين يجتمع هذان الشرطان على الوجه الأكمل؟ لا ريب في أنّ المشرّع لو أُريد له أن يكون عالماً بخفايا الإنسان على أفضل وجه، فليس ثمّة من يُوصف بهذه الميزة سوى اللّه سبحانه; وليس هنالك من يملك معرفة بمخلوق ما، أكثر من خالقه; وقد أشار القرآن إلى هذا المعنى بقوله: (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَق وَهُوَ اللَّطيفُ الخَبير) .[١]
[١] الملك:١٤.