رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٣٦
فأمّا الجانب الأوّل أي إدارة دفة الحكم بعد رحيله، فقد تناوله العلماء بالبحث والتحليل، وتمخض عن طرح رأيين:
الأوّل: نظرية التنصيص وانّ النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قد نصّ على خليفته وعيّن من يدير دفة الحكم بعده في مواقف مختلفة أشهرها وأعمها حديث الغدير الذي ألقاه النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في محتشد عظيم عند منصرفه عن حجّة الوداع في غدير خم عام ١٠ هـ وقال : ألست بكم أولى من أنفسكم؟ قالوا: بلى فقال: «من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله».
والحديث من الأحاديث المتضافرة المتواترة عبر القرون وقد نقل جم غفير من الصحابة والتابعين والعلماء عبر القرون، وربما تنتهي أسانيد الحديث إلى أكثر من مائة صحابي وقد ألّف في ذلك كتب وموسوعات وأُلقيت حولها العديد من المحاضرات والمناظرات لا نطيل بذكرها المقام.[١]
الثاني: نظرية الشورى، وانّ صيغة الحكم تخضع لتلك النظرية وعلى صحابة النبي عامة أو على أهل الحل والعقد منهم خاصة أن يجتمعوا ويشاروا وينتخبوا من يأخذ بزمام الحكم ويدير دفته، وهذه النظرية هي النظرية المعروفة بنظرية الشورى أو نظرية الانتخاب.
وبما انّ ذلك الجانب قد أُشبع بالبحث والتحليل على وجه احتل مسافة شاسعة من الأبحاث الكلامية والعقائدية، لذا آثرنا الإحجام عنه خوفاً من الإطناب.
ولذلك نكرس البحث في الجانب الآخر الذي له صلة بالأُمور المعنوية وقد عرفت فيما سبق انّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كان يقوم بالأُمور الأربعة السالفة الذكر التي لا
[١] وكفانا في ذلك ما ألّفه العلاّمة المحقّق الشيخ عبد الحسين الأميني (رضوان اللّه عليه) مؤلف الغدير.