رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢١٨
ويدلّ عليه قوله سبحانه: (يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِم).[١]
وبعد ما عادوا إلى الحياة بدعاء موسى طلبوا منه أن يسأل الرؤية لنفسه لا لهم حتّى يسمعوا النصّ من عند اللّه باستحالة ذلك.[٢]
فعند ذاك لم يكن لموسى محيص إلاّ الإقدام على السؤال وقال: (ربّ أرني أنظر إليك)فأجيب بقوله: (لن تراني).
وعلى ذلك ما كان طلب الرؤية إلاّ ليكبت هؤلاء الذين دعاهم سفهاء و ضُلاّلاً وتبرّأ من فعلهم، وذلك أنّهم حين طلبوا الرؤية أنكر عليهم و أعلمهم الخطأ ونبّههم على الحقّ فلجّوا وتمادوا في لجاجهم، وقالوا لابدّ و لن نؤمن حتّى نرى اللّه جهرة، فأراد أن يسمعوا النص من عند اللّه باستحالة ذلك و هو قوله: (لن تراني) ليتيقّنوا وينزاح عنهم ما دخلهم من الشبهة، فلذلك قال: (ربّ أرني أنظر إليك).[٣]
إلى هنا تمت دراسة الآيات الصريحة في امتناع رؤية اللّه تبارك و تعالى بطرق مختلفة، ومن أمعن فيها وتجرد عن العقيدة التي تربّى عليها منذ نعومة أظفاره لرأى انّ الذكر الحكيم صريح في تعاليه سبحانه عن أن يقع في إطار الرؤية وأنّ طلب الرؤية تمنّي باطل.
[١] النساء:١٥٣.
[٢] أو تسئل لنفسه وتحل رؤيته مكان رؤيتهم كما حلّ سماعه للوحي محل سماعهم لكلامه تعالى.
[٣] الزمخشري: الكشاف:١/٥٧٣ـ ٥٧٤.