رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٩٣
من ابن عباس شفة ووقعت أُخرى غضباً، ثم قال: كذب كعب، كذب كعب، كذب كعب، ثلاث مرّات، بل هذه يهودية يريد إدخالها في الإسلام، اللّه أجلّ وأكرم من أن يعذّب على طاعته، ألم تسمع قول اللّه تبارك وتعالى: (وسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ دائِبَيْـنِ) إنّما يعني دؤوبهما في الطاعة، فكيف يعذِّب عبـدين يُثنـي عليهما أنّهما دائبان في طاعتـه. قاتلَ اللّه هذا الحبر وقبّح حبريته، ما أجـرأه على اللّه وأعظم فريته على هـذين العبدين المطيعين للّه، قـال: ثم استرجع مراراً.[١]
٢. قال ابن كثير: روى البزار عن عبد العزيز بن المختار قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن في هذا المسجد مسجد الكوفة، وجاء الحسن فجلس إليه فحدث قال: حدثنا أبو هريرة أنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: «إنّ الشمس والقمر ثوران في النار عقيران يوم القيامة» فقال الحسن: وما ذنبهما؟ فقال: أُحدثك عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وتقول أحسبه قال: وما ذنبهما؟! ثمّ قال: لا يروى عن أبي هريرة إلاّ من هذا الوجه.[٢]
إنّ كعب الأحبار لمّا أسلم بعد رحيل الرسول لم يتمكّن من إسناد ما رواه من الأسطورة إلى النبيّ الأكرم، ولو كان مدركاً لحياته وإن كان قليلاً لنسبها إليه ولكن حالت المشيئة الإلهية دون أمانيّه الباطلة.
ولكنّ أبا هريرة لمّا صحب النبي واستحسن الظن بكعب الأحبار ـ أُستاذه في الأساطير ـ نسب الرواية إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .
هذا نموذج قدّمته إلى القارئ لكي يقف على دور الأحبار والرهبان في نشر
[١] الطبري: التاريخ: ١/٤٤، ط بيروت.
[٢] ابن كثير: التفسير: ٤/٤٧٥، ط دار الاحياء.