رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٤٦
وقد جرت سنّة اللّه تعالى على خلق الأشياء بأسبابها، فجعل لكلّ شيء سبباً و للسبب سبباً إلى أن ينتهي إلى اللّه سبحانه، والمجموع من الأسباب الطولية علّة واحدة تامّة كافية لايجاد الفعل، ونكتفي في المقام بكلمة عن الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ حيث قال: «أبى اللّه أن يجري الأشياء إلاّ بأسباب، فجعل لكلّ شيء سبباً وجعل لكلّ سبب شرحاً».[١]
الأمر الثالث:
إنّ المنقول عن الفيلسوف الفرنسي «مالبرانس»(١٦٣١ـ ١٧١٥م) يتّحد مع نظرية الأشعري حرفاً بحرف، و من المظنون أنّه وقف على بعض الكتب الكلامية للأشاعرة، فأفرغ نظرية الكسب حسب ما تلقّاه من تلك الكتب، وحاصل ما قال:
إنّ كلّ فعل إنّما هو في الحقيقة للّه، ولكن يظهر على نحو ما يظهر، إذا تحقّقت ظروف خاصة إنسانية أو غير إنسانية حتّى لكأنّها يخيّل للإنسان أنّ الظروف هي التي أوجدته.
فهذه النظرية أولى بأن تسمّى بنظرية الاتّفاقية، أو نظرية الظروف والمناسبات، وهي نفس نظرية الأشعري حيث يرى أنّه لا تأثير للقدرة الحادثة في الأحداث، وإنّما جرت سنّة اللّه بأن يلازم بين الفعل المحدَث و بين القدرة المحدثة (بالكسر) له إذا أراد العبد وتجرد له، ويسمى هذا الفعل كسباً. فيكون خلقاً من اللّه، وكسباً من العبد، عندما يقع في متناول قدرته واستطاعته، من غير تعلّقه عليه.[٢]
[١] الكافي:١/١٨٣، باب معرفة الإمام، الحديث٧.
[٢] القضاء والقدر للكاتب المصري عبد الكريم الخطيب: ١٨٢.