رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٤٣
إِلاّ هُوَ سادِسُهُم ولا أدنى مِنْ ذلك ولا أكْثَرَ إلاّ هُو مَعَهُم أين ما كانُوا)[١] ومفاد هاتين الآيتين هو كونه سبحانه مع كلّ موجود إمكاني من دون فرق بين الإنسان وفعله.
وليس المراد من المعية هو حلوله سبحانه في ذوات الأشياء وآثارها، بل المراد هو المعية القيومية.
وقد ذكر صدر المتألّهين تمثيلاً في المقام، وإليك بيانه:
إذا أردت التمثيل لتبيين كون الفعل الواحد فعلاً لشخصين على الحقيقة، فلاحظ النفس الإنسانية، وقواها، فاللّه سبحانه خلقها مثالاً، ذاتاً وصفة وفعلاً، لذاته وصفاته وأفعاله، قال سبحانه: (وَفِى الأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنينَ* وَفي أَنْفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُون).[٢] وقد أُثر عن النبي والوصي القول بأنّه «من عرف نفسه، عرف ربّه».[٣]
إنّ فعل كلّ حاسّة وقوة من حيث هو فعل تلك القوة، فعل النفس أيضاً، فالباصرة ليس لها شأن إلاّ إحضار الصورة المبصرة، أو انفعال البصر منها، وكذلك السامعة، فشأنها إحضار الهيئة المسموعة أو انفعالها بها، ومع ذلك فكلّ من الفعلين، كما هو فعل القوة، فعل النفس أيضاً، لأنّها السميعة البصيرة في الحقيقة، وليس شأن النفس استخدام القوى بل هو فوق ذلك. لأنّا إذا راجعنا إلى وجداننا نجد انّ نفوسنا بعينها الشاعرة في كلّ إدراك جزئي، وشعور حسّي، كما أنّها المتحركة بكلّ حركة طبيعية أو حيوانية منسوبة إلى قواها. وبهذا يتّضح انّ النفس
[١] المجادلة:٧.
[٢] الذاريات:٢٠ـ ٢١.
[٣] غرر الحكم:٢٦٨، طبعة النجف. وروي عن أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ قوله: «أعلمكم بنفسه أعلمكم بربه» أمالي المرتضى:٢/٣٢٩.