رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٣٧
خالق كلّ شيء ومنها أعمال العبد؟ قالوا: بلى إنّه خالق كلّ شيء حتّى أعمال عباده الاختيارية، بيد أنّه خلق بعض الأشياء بلا واسطة وخلق بعضها الآخر بواسطة، وأعمال المكلّفين من القبيل الثاني، خلقها اللّه بوساطة خلق آلاتها فيه، وآلاتها هي القدرة الكلية والإرادة الكلية الصالحتان للتعلق بكلّ من الطرفين. وليس لنا من حول ولا قوة سوى أنّنا استعملناها على أحد وجهيها، إمّا بحسن الاختيار وإمّا بسوء الاختيار. ثمّ لا مانع عندنا من القول بأنّه سبحانه خالق لأفعال عباده، ولكن على سبيل المجاز، باعتبار أنّه خالق أسبابها ووسائلها.
ثمّ قال هو: و لقد كان سلفنا الصالح يؤمنون بوحدانية اللّه وعدله، ويؤمنون بقدره وأمره، ويؤمنون بهذه النصوص وتلك النصوص، ويؤمنون بأنّ العبد يعمل ما يعمل و أنّ اللّه خالق كلّ شيء، ويؤمنون بأنّه تعالى تنزّه في قدره عن أن يكون مغلوباً أو عاجزاً، وتنزّه في أمره وتكليفه عن أن يكون ظالماً أو عابثاً. ثمّ بعد ذلك يصمتون، فلا يخوضون في تحديد نصيب عمل الإنسان الاختياري من قدرة اللّه، ونصيبه من قدرة العبد. ولا يتعرّضون لبيان مدى ما يبلغ فعل اللّه في قدره، ولا لبيان مدى ما يبلغ فعل العبد في امتثال أمره، ذلك ما لم يعلموه ولم يحاولوه، لأنّهم لم يكلّفوه، وكان سبحانه أرحم بعباده من أن يكلّفهم إيّاه، لأنّه من أسرار القدر أو يكاد، والعقل البشري محدود التفكير ضعيف الاستعداد. ومن شره العقول طلب ما لا سبيل لها إليه (وَما أُوتيتُمْ من العلمِ إِلاّ قَليلاً).
لم يمتحنّا بمـا تعيـا العقـولُ بـه * حرصاً علينا فلم نرتب ولم نهمِ[١]
[١] مناهل العرفان في علوم القرآن:١/٥٠٦ـ ٥١١، والشعر جزء من قصيدة البوصيري في مدح النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .