رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١١٠
الكسب» حتّى يتخلّصوا ممّا يترتب على خلق الأعمال من التوالي الفاسدة فإذا قيل لهم كيف يُثاب المرء أو يُعاقب على عمل لم يوجده هو؟ وكيف يتفق هذا مع ما هو مقرّر في عدالة اللّه وحكمته في تكليف خلقه؟
أجابوا: انّ العباد وإن لم يكونوا خالقين لأعمالهم لكنّهم كاسبون لها، وهذا الكسب هو مناط التكليف ومدار الثواب والعقاب وبه يتحقّق عدل اللّه وحكمته فيما شرّع للمكلّفين.
قالوا: إنّ هنا نصوصاً تثبت بأنّه لا خالق إلاّ هو، كقوله (اللّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْء) [١]، (هَلْ مِنْ خالِق غَيْرُ اللّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالأَرْض)[٢] إلى غير ذلك.
وبجانب هذا توجد نصوص، تَنسب أعمال العباد إليهم، وتُعلّق رضوان اللّه للمحسنين منهم وتعلّق غضبه للمسيئين منهم و يقول:(مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها)[٣] ،(إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها)[٤] إلى غير ذلك من الآيات.
فحملوا النصوص الأُولى على الخلق، وحملوا الثانية على الكسب جمعاً بين الأدلّة، فإذا قيل ما هذا الكسب؟ وما يراد به؟ وهل هو أيضاً موجود أو معدوم؟ فمالوا يميناً ويساراً حتّى يأتوا به تفسيراً معقولاً مع أنّه مضت على النظرية قرون عشرة لكنّها بقيت في محاق الإبهام، بل دخلت أخيراً في مدحرة الإنكار، وهذا هو الذي ندرسه في الفصول المقبلة بعد مقدّمة موجزة.
[١] الرعد: ١٦ .
[٢] فاطر: ٣ .
[٣] الجاثية: ١٥ .
[٤] الإسراء: ٧ .