رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٠٢
إلى الخلقة الإلهية، كما أنّ أفعالها التي تصدر عنها في ظل تلك الخصوصيات تنتهي إليها أيضاً وليس العالم ومجموع الكون إلاّ مجموعة متوحّدة يتّصل بعضها ببعض ويتلاءم بعضها مع بعض، ويؤثر بعضها في بعض، واللّه سبحانه وراء هذا النظام ومعه وبعده ولا خالق ولا مدبّر حقيقة وبالأصالة إلاّ هو كما لا حول ولا قوة إلاّ باللّه.
وبعبارة أُخرى:انّ التدبر في الآيات الواردة في التوحيد في الخالقية إذا فسّرت على نحو التفسير الموضوعي[١].يثبت أنّ آثار الموجودات الإمكانية آثار لها، وفي الوقت نفسه تنتهي الأسباب إلى اللّه سبحانه. فجميع هذه الأسباب والمسببات يرتبط بعضها ببعض ويؤثر بعضها في بعض، وفي الوقت نفسه مرتبطة باللّه سبحانه وإليه ينتهي النظام الإمكاني والعلل والمعاليل.
وليس السبب منقطعاً عن اللّه، وفي الوقت نفسه ليس المسبب فعلاً مباشرياً له سبحانه فبذلك يجمع بين القول بحصر الخالقية في اللّه سبحانه، والقول بنظام العلل والمعاليل المنتهية إليه والقائمة به، فالخالقية المستقلة النابعة من الذات، منحصرة باللّه سبحانه، والخالقية الظلية والتبعية، النابعة من قدرته سبحانه من خصائص النظام الإمكاني ولنعم قال القائل«فالفعل فعل اللّه وهو فعلنا».
وباختصار: إنّ العوالم الممكنة من عاليها إلى سافلها متساوية النسبة إلى قدرته سبحانه، فالجليل والحقير، والثقيل والخفيف عنده سواسية، لكن ليس معنى الاستواء هو قيامه تعالى بكلّ شيء مباشرة، وخلع التأثير عن الأسباب والعلل، بل يعني أنّ اللّه سبحانه يُظهر قدرته وسلطانه عن طريق خلق الأسباب،
[١] نريد من التفسير الموضوعي هو جمع الآيات الواردة في أي موضوع من الموضوعات واستنطاق بعض الآيات ببعض والخروج بنتيجة واحدة، هي حصيلة عامة الآيات. وقد ألّفنا موسوعة قرآنية على هذا الغرار وأسميناها بـ«مفاهيم القرآن» انتشرت في عشرة أجزاء.