الانتصار في انفرادات الإمامية - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٠٨ - كتاب الطهارة
أقواها أن فائدة اللفظتين في الشريعة مختلفة و في اللغة أيضا، و قد فرق الله تعالى في آية الطهارة [١] بين الأعضاء المغسولة و الممسوحة، و فصل أهل الشرع بين الأمرين، فلو كانتا متداخلتين لما كان كذلك، و حقيقة الغسل توجب جريان الماء على العضو، و حقيقة المسح تقتضي إمرار الماء من غير جريان، فالتنافي بين الحقيقتين ظاهر، لأنه من المحال أن يكون الماء جاريا سائلا و غير سائل و لا جار في حال واحدة، و قد بينا في مواضع كثيرة من كلامنا أن المسح يقتضي إمرار قدر من الماء بغير زيادة عليه، فلا يدخل أبدا في الغسل.
و من قوي ما أبطل هذه الشبهة أن الأرجل إذا كانت معطوفة على الرؤوس، و كانت الرؤوس بلا خلاف فرضها المسح الذي ليس بغسل على وجه من الوجوه، فيجب أن يكون حكم الأرجل كذلك، لأن العطف مقتض للمسح و كيفيته.
و قد بينا أيضا في مسائل الخلاف أن القراءة في الأرجل بالنصب [١] لا تقدح في مذهبنا، فإنها توجب بظاهرها المسح في الرجلين كإيجاب القراءة بالجر، لأن موضع «بِرُؤُسِكُمْ» موضع نصب بإيقاع الفعل، و هو قوله جل ثناؤه:
«وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ»، و إنما جرت الرؤوس بالباء الزائدة، فإذا نصبنا الأرجل فعلى الموضع لا على اللفظ.
و أمثلة ذلك في الكلام العربي أكثر من أن تحصى، يقولون: لست بقائم و لا قاعدا، و أنشدوا:
[١] ممن قرأ بالنصب: علي و عبد الله بن مسعود و ابن عباس في رواية و نافع و ابن عامر و عاصم في رواية حفص، و ممن قرأ بالخفض عكرمة و الحسن و حمزة و ابن كثير و أبو عمرو و عاصم في رواية أبي بكر، راجع أحكام القرآن (للجصاص): ج ٢- ٢٤٥، تفسير الفخر الرازي: ج ١١- ١٦١، و أحكام القرآن (لابن العربي): ج ٢- ٥٧٧.
[١] المائدة: الآية ٦.