سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٥٧
وكان في يديه حران والرقة والرها وقرقيسيا . وكان من كان بالكوفة والبصرة من العثمانية قد هربوا فنزلوا الجزيرة في سلطان معاوية ، فخرج الأشتر وهو يريد الضحاك بن قيس بحران ، فلما بلغ ذلك الضحاك بعث إلى أهل الرقة فأمدوه ، وكان جل أهلها يومئذ عثمانية ، فجاءوا وعليهم سماك بن مخرمة ، وأقبل الضحاك يستقبل الأشتر ، فالتقى الضحاك وسماك بن مخرمة ، بمرج مرينا بين حران والرقة ، فرحل الأشتر حتى نزل عليهم فاقتتلوا اقتتالاً شديداً حتى كان عند المساء ، فرجع الضحاك بمن معه فسار ليلته كلها حتى صبح بحران فدخلها ، وأصبح الأشتر فرأى ما صنعوا فتبعهم حتى نزل عليهم بحران فحصرهم ، وأتى الخبر معاوية فبعث إليهم عبد الرحمن بن خالد في خيل يغيثهم فلما بلغ ذلك الأشتر كتب كتائبه ، وعبى جنوده وخيله ، ثم ناداهم الأشتر : ألا إن الحي عزيز ، ألا إن الذمار منيع ، ألا تنزلون أيها الثعالب الرواغة ؟ احتجرتم احتجار الضباب . فنادوا : يا عباد الله أقيموا قليلاً ، علمتم والله أن قد أتيتم . فمضى الأشتر حتى مر على أهل الرقة فتحرزوا منه ، ثم مضى حتى مر على أهل قرقيسيا فتحرزوا منه ، وبلغ عبد الرحمن بن خالد انصراف الأشتر فانصرف . فلما كان بعد ذلك عاتب أيمن بن خريم الأسدي معاوية ، وذكر بلاء قومه بني أسد في مرج مرينا . وفي ذلك يقول :
أبلغ أمير المؤمنين رسالة * من عاتبين مساعر أنجاد
منيتهم إن آثروك ، مثوبة * فرشدت إذ لم توف بالميعاد
أنسيت إذ في كل عام غارة * في كل ناحية كرجل جراد
غارات أشتر في الخيول يريدكم * بمعرة ومضرة وفساد
وضع المسالح مرصداً لهلاككم * ما بين عانات إلى زيداد
وحوى رساتيق الجزيرة كلها * غصباً بكل طمرة وجواد
لما رأى نيران قومي أوقدت * وأبوأنيس فاتر الإيقاد
أمضى إلينا خيله ورجاله * وأغذ لا يجرى لأمر رشاد
ثرنا إليهم عند ذلك بالقنا * وبكل أبيض كالعقيقة صاد ) .