سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٢٩٧
تركهم متواقفين ، فالنجاء إلى أصحابك النجاء . فإذا أتيتهم فأنت عليهم ، وإياك أن تبدأ القوم بقتال إلا أن يبدؤوك حتى تلقاهم وتسمع منهم ، ولا يجرمنك شنآنهم على قتالهم قبل دعائهم والإعذار إليهم مرة بعد مرة . واجعل على ميمنتك زياداً ، وعلى ميسرتك شريحاً ، وقف بين أصحابك وسطاً ، ولاتدن منهم دنو من يريد أن ينشب الحرب ، ولا تباعد منهم تباعد من يهاب البأس ، حتى أقدم عليك ، فإني حثيث السير إليك ، إن شاء الله .
وكتب إليهما : أما بعد ، فإني قد أمَّرت عليكما مالكاً فاسمعا له وأطيعا أمره ، فإنه ممن لا يخاف رهقه ولاسقاطه ، ولا بطؤه عما الإسراع إليه أحزم ، ولا الإسراع إلى ما البطء عنه أمثل . وقد أمرته بمثل الذي أمرتكما : ألا يبدأ القوم بقتال حتى يلقاهم فيدعوهم ويعذر إليهم ، إن شاء الله .
فخرج الأشتر حتى قدم على القوم فاتبع ما أمره به علي ( ٧ ) ، وكف عن القتال . فلم يزالوا متواقفين حتى إذا كان عند المساء حمل عليهم أبوالأعور السلمي فثبتوا له ، واضطربوا ساعة ، ثم إن أهل الشام انصرفوا .
ثم خرج هاشم بن عتبة في خيل ورجال حسن عدتها وعددها ، وخرج إليهم أبوالأعور السلمي فاقتتلوا يومهم ذلك ، تحمل الخيل على الخيل والرجال على الرجال ، فصبر القوم بعضهم لبعض ، ثم انصرفوا .
وبكر عليهم الأشتر فقتل منهم عبد الله بن المنذر التنوخي ، قتله ظبيان بن عمارة التميمي ، وما هو يومئذ إلا فتى حديث السن ، وإن كان الشامي لفارس أهل الشام ! وأخذ الأشتر يقول : ويحكم ، أروني أباالأعور !
ثم إن أباالأعور دعا الناس فرجعوا نحوه ، فوقف على تل من وراء المكان الذي كان فيه أول مرة ، وجاء الأشتر حتى صف أصحابه في المكان الذي كان فيه أبوالأعور أول مرة ، فقال الأشتر لسنان بن مالك النخعي : انطلق إلى أبي الأعور فادعه إلى المبارزة ، فقال : إلى مبارزتي أو مبارزتك ؟ فقال : إلى مبارزتي ، فقال الأشتر : أوَلو أمرتك بمبارزته فعلتَ ؟ قال : نعم ، والذي لا إله إلا هو