سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٤٦٤
هم الذين يحفون براياتهم ، ويكتنفون حفافيها وراءها وأمامها ، ولايتأخرون عنها فيسلموها ، ولايتقدمون عليها فيفردوها . وإن الفار لغير مزيد في عمره ولا محجوز بينه وبين يومه . الرائح إلى الله كالظمآن يرد الماء . الجنة تحت أطراف العوالي . اليوم تبلى الأخبار . والله لأنا أشوق إلى لقائهم منهم إلى ديارهم . اللهم فإن ردوا الحق فافضض جماعتهم وشتت كلمتهم وأبسلهم بخطاياهم . إنهم لن يزولوا عن مواقفهم دون طعن دراك ، يخرج منه النسيم ، وضرب يفلق الهام ، ويطيح العظام ، ويندر السواعد والأقدام . وحتى يرموا بالمناسر تتبعها المناسر ، ويرجموا بالكتائب تقفوها الحلائب ، وحتى يجر ببلادهم الخميس يتلوه الخميس ، وحتى تدعق الخيول في نواحر أرضهم ، وبأعنان مساربهم ومسارحهم ) . ( نهج البلاغة : ٢ / ٥ ) .
ويقول : « الآن فاصبروا ، نزلت عليكم السكينة ، وثبتكم الله باليقين ، وليعلم المنهزم بأنه مسخط ربه وموبق نفسه وفي الفرار موجدة الله عليه والذل اللازم وفساد العيش عليه ، وإن الفار منه لا يزيد في عمره ولا يرضي ربه » . ( الكافي : ٥ / ٤٠ ) .
وهو الذي باشرالحرب بنفسه ليلة الهرير ويومها : ( وكان كلما قتل قتيلاً كبَّرَ فعُدَّ تكبيره فبلغ خمس مائة وثلاثاً وعشرين تكبيرة ) . ( كشف اليقين / ١٥٨ ) .
وفي نفس الوقت تراه استجاب لإيقاف الحرب لما رفع معاوية المصاحف ووقعت الفتنة في عسكره ، فأرسل إلى الأشتر وقد قارب على النصر أن يوقف الحرب ويرجع ، ولما تأخر الأشتر أرسل له مرة ثانية ، وأوقف الحرب كما أراد جمهور جيشه ، وجعل الحكَم أبا موسى الأشعري وهو يعرف أنه عدو له وأن حكمه سيكون ضده ! وكان باستطاعته أن يحمل مع الأشتر ويقتل معاوية ، بل كان بإمكانه أن يصل إلى خيمة معاوية في فرص سابقة !
لكنه كان في قتاله ينفذ خريطة نبوية ، فهو مأمور بأن يثبت الخط النبوي في الأمة وهو يعلم أن معاوية سيحكم بعده ! فالموجة لخط الانحراف المضاد للخط النبوي ، لكن عليه أن يثبت الخط النبوي ليكون شاخصاً في مجرى تاريخ الأمة .
ولما رفعوا المصاحف ودعوا إلى التحكيم ، ترك المقادير تجري وجاراها ، فقد كان ( ٧ ) يرى أنه أدى ما عليه ، وثبت مبدأ القتال على التأويل والتحريف ، وكشف للأمة أن أعداءه