سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٣٨٢
برأي أبي موسى ، ولا بحزمه ، ولكن أجعل ذلك لعبد الله بن عباس . قالوا : والله ما نفرق بينك وبين ابن عباس ، وكأنك تريد أن تكون أنت الحاكم ! بل اجعله رجلاً هو منك ومن معاوية سواء ، ليس إلى أحد منكما بأدنى منه إلى الآخر . قال علي : فلم ترضون لأهل الشام بابن العاص ! قالوا : أولئك أعلم ، إنما علينا أنفسنا . قال : فإني أجعل ذلك إلى الأشتر . قال الأشعث : وهل سَعَّر هذه الحرب إلا الأشتر . . ! قال : فقد أبيتم إلا أن تجعلوا أبا موسى . قالوا : نعم . قال : فاصنعوا ما أحببتم .
قالوا : فأرسلوا رسولاً إلى أبي موسى ، وقد كان اعتزل الحرب ، وأقام بعرض من أعراض الشام ، فدخل عليه مولى له ، فقال : قد اصطلح الناس ، قال : الحمد لله رب العالمين . قال : وقد جعلوك حكماً . قال : إنا لله وإنا إليه راجعون . فأقبل أبو موسى حتى دخل عسكر علي فولوه الأمر ، ورضوا به فقبله .
فقال الأحنف بن قيس لعلي : إنك قد مُنيت بحجر الأرض ، وداهية العرب ،
وقد عجمت أبا موسى ، فوجدته كليل الشفرة ، قريب القعر ، وإنه لا يصلح لهذا الأمر إلا رجل يدنو من صاحبه حتى يكون في كفه ، ويبعد منه حتى يكون مكان النجم ، فإن شئت أن تجعلني حكما فافعل ، وإلا فثانياً أو ثالثاً ، فإن قلت : إني لست من أصحاب رسول الله ، فابعث رجلاً من صحابته ، واجعلني وزيراً له ومشيراً .
فقال علي : إن القوم قد أبوا أن يرضوا بغير أبي موسى ، والله بالغ أمره . قالوا : فقال أيمن بن خريم الأسدي من أهل الشام ، وكان معتزلاً للقوم :
لو كان للقوم رأي يهتدون به * بعد القضاء رموكم بابن عباس
لكن رموكم بشيخ من ذوي يمن * لم يدر ما ضرب أخماس لأسداس
قالوا : وقد كان معاوية جعل لأيمن بن خريم ناحية من فلسطين على أن يبايعه ، فأبى ، وقال :
ولست بقاتل رجلاً يصلي * على سلطان آخر من قريش
له سلطانه وعلى إثمي * معاذ الله من سفه وطيش
أأقتل مسلماً في غير حق * فليس بنافعي ما عشت عيشي