سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٣٦٣
ثم نظر علي ( ٧ ) إلى غسان على مصافهم ، فنادى أين أهل الصبر وطلاب الأجر ؟ ثم دعا ابنه محمد بن الحنفية فدفع إليه الراية ، ثم قال له إمش بها فإذا شرعت في صدورهم فأمسك حتى يأتيك رأيي ، ففعل .
وأتاه علي ( ٧ ) ومعه الحسن والحسين وشيوخ بدر وغيرهم ، قد كردسهم على غسان ، وعادت الحرب كما كانت ، فاختلط الناس وأجنهم الليل ، وكان الفارس يعتنق الفارس فيقعان إلى الأرض جميعاً ، وكانت ليلة الجمعة وهي ليلة الهرير ، وأصبح القوم على قتالهم ، فكُسفت الشمس وارتفع القتام ، وتقطعت الألوية ، ولم يعرفوا أوقات الصلاة ) .
٥ . وقال المفيد في تفسيره / ٤٩٢ : ( إن أمير المؤمنين ( ٧ ) قد دعا بعد النبي ( ( ٦ ) ) إلى قتال الناكثين بالبصرة ، والقاسطين بالشام ، والمارقين بالنهروان ، واستنفر الكافة إلى قتالهم وحربهم وجهادهم ، حتى ينقادوا بذلك إلى دين الله تعالى الذي فارقوه ، ويخرجوا به عن الضلال الذي اكتسبوه ، وقد علم كل من سمع الأخبار ما كان من شدة أصحاب الجمل ، وصبرهم عند اللقاء ، حتى قتل بين الفريقين على قول المقل عشرة آلاف إنسان .
وتقرر عند أهل العلم أنه لم تُرَ حربٌ في جاهلية ولا إسلام ، أصعب ولا أشد من حرب صفين ، ولا سيما ما جرى من ذلك ليلة الهرير ، حتى فات أهل الشام فيها الصلاة ، وصلَّى أهل العراق بالتكبير والتهليل والتسبيح ، بدلاً من الركوع والسجود والقراءة ، لما كانوا عليه من الاضطرار بتواصل اللقاء في القتال ، حتى كلَّت السيوف بينهم لكثرة الضراب وفنيَ النبل ، وتكسرت الرماح بالطعان ، ولجأ كل امرئ منهم عند عدم سلاحه ، إلى قتال صاحبه بيده وفمه ، حتى هلك جمهورهم بما وصفناه ! وانكشفت الحرب بينهم عن قتل نيف وعشرين ألف إنسان على قول المقل أيضاً ، وضعف هذا العدد أو قريب من الضعف
على قول آخرين ) !
وقد بينا أن عدد القتلى يفوق السبعين ألفاً ، نحو خمسهم من جيش علي ( ٧ ) !