سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٥٣١
أبو موسى : أحسنت رحمك الله وجزاك بنصيحتك خيراً ! فنعم ما رأيت .
قال عمرو : فمتى تحب أن يكون ذلك الأمر ؟ فقال أبو موسى : ذاك إليك ، إن شئت الساعة ، وإن شئت غداً فإنه يوم الاثنين ، وهذا يوم مبارك .
قال : وانصرف عمرو إلى رحله ، فلما كان من الغد أقبل إلى أبي موسى ومعه شهود ، قد أعدهم للذي يريد أن يصنع . قال أبو موسى : قم يا عمرو فاخلع صاحبك فإننا على ما كنا عليه أمس . فقال عمرو : سبحان الله أقوم أنا قبلك وقد قدمك الله عليَّ في الإيمان والهجرة ، لا بل قم أنت فتكلم بما أحببت ، وأقوم أنا من بعدك .
قال : فوثب أبو موسى قائماً وقد اجتمعت الناس ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس : إن خيرالناس خيرهم لنفسه ، وإن شرالناس شرهم لنفسه ، وقد علمتم ما كان من الحروب التي لم تبق على بر ولاتقي ولامحق ولا مبطل ،
ألا وإني قد رأيت أن نخلع علياً ومعاوية ونجعل هذا الأمر في يد عبد الله بن عمر بن الخطاب ، فإنه رجل لم يبسط في هذه الحروب لساناً ولا يداً ، ألا وإني قد خلعت علياً من الخلافة كما خلعت خاتمي هذا من إصبعي . والسلام .
وقام عمرو بن العاص فحمد الله وأثنى عليه وقال : أيها الناس ! هذا عبد الله بن قيس أبو موسى الأشعري ، وافد رسول الله ، وعامل عمر بن الخطاب ، وحَكَم أهل العراق قد خلع صاحبه علياً من الخلافة كما زعم أنه خلع خاتمه من أصبعه ، ألا وإني قد أثبت معاوية في الخلافة كما أثبت خاتمي هذا في أصبعي . ثم قعد .
فقال أبو موسى : عليك غضب الله ، فوالله ما أنت إلا كما قال الله تعالى : كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ! قال : وتشاتموا جميعاً وضج الناس وقالوا هذه خديعة ونحن لا نرضى بهذا . ودخل عمرو من ساعته إلى رحله ، وكتب إلى معاوية :
أتتك الخلافة في خدرها * هنيئاً مريئاً تقر العيونا
تزف إليك زفاف العروس * بأهون من طعنك الدارعينا
فما الأشعري بواري الزناد * ولا خامل الذكر في الأشعرينا
ولكن أتيحت له حيلة * يظل الشجاع لها مستكينا