سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٤٢٣
وبينهم وهو خير الحاكمين . قال أبو سلمة : فبينا هو وعصابة من القراء يجالدون أهل الشام ، إذ خرج عليهم فتى شاب يقول :
أنا ابن أرباب الملوك غسان * والدائن اليوم بدين عثمان
أنبأنا أقوامنا بما كان * أن علياً قتل ابن عفان
ثم شد فلا ينثني يضرب بسيفه ثم يلعن علياً ويشتمه ويسهب في ذمه ! فقال له هاشم بن عتبة : إن هذا الكلام بعده الخصام ، وإن هذا القتال بعده الحساب ، فاتق الله فإنك راجع إلى ربك فسائلك عن هذا الموقف وما أردت به . قال : فإني أقاتلكم لأن صاحبكم لا يصلي كما ذُكر لي ، وأنكم لا تصلون . وأقاتلكم لأن صاحبكم قتل خليفتنا وأنتم وازرتموه على قتله .
فقال له هاشم : وما أنت وابن عفان ؟ إنما قتله أصحاب محمد وقراء الناس حين أحدث أحداثاً وخالف حكم الكتاب ، وأصحاب محمد هم أصحاب الدين ، وأولى بالنظر في أمور المسلمين . وما أظن أن أمر هذه الأمة ولا أمر هذا الدين عناك طرفة عين قط ! قال الفتى : أجل أجل ، والله لا أكذب ، فإن الكذب يضر ولا ينفع ، ويشين ولايزين . فقال له هاشم : إن هذا الأمر لاعلم لك به فخله وأهل العلم به . قال : أظنك والله قد نصحتني .
وقال له هاشم : وأما قولك إن صاحبنا لا يصلي فهو أول من صلى مع رسول الله ( ( ٦ ) ) وأفقهه في دين الله ، وأولاه برسول الله . وأما من ترى معه فكلهم قارئ الكتاب ، لاينامون الليل تهجداً . فلا يغررك عن دينك الأشقياء المغرورون !
قال الفتى : يا عبد الله إني لأظنك امرأً صالحاً وأظنني مخطئاً آثماً ، أخبرني هل تجد لي من توبة ؟ قال : نعم ، تب إلى الله يتب عليك ، فإنه يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ، ويحب التوابين ويحب المتطهرين .
قال : فذهب الفتى بين الناس راجعاً ، فقال له رجل من أهل الشام : خدعك العراقي ! قال : لا ، ولكن نصحني العراقي .
أقول : الذي أقنع الشاب الشامي : يقين هاشم ، وقوة منطقه ، وصفاء الشاب .