سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٤٧٦
لسخياً بنفسي عن الدنيا طيب النفس بالموت . ولقد هممت بالإقدام فنظرت إلى هذين قد ابتدراني يعني الحسن والحسين ، ونظرت إلى هذين قد استقدماني ، يعني عبد الله بن جعفر ومحمد بن علي ، فعلمت أن هذين إن هلكا انقطع نسل محمد من هذه الأمة ، فكرهت ذلك وأشفقت على هذين أن يهلكا ، وقد علمت أن لولا مكاني لم يستقدما ، يعني محمد بن علي وعبد الله بن جعفر ، وأيم الله لئن لقيتهم بعد يومي لألقينهم وليس هما معي في عسكر ولا دار !
قال : ثم مضى حتى جزنا دور بني عوف ، فإذا نحن عن أيماننا بقبور سبعة أو ثمانية فقال أمير المؤمنين : ما هذه القبور ؟ فقال له قدامة بن عجلان الأزدي : يا أمير المؤمنين ، إن خباب بن الأرت توفي بعد مخرجك ، فأوصى أن يدفن في الظهر ، وكان الناس إنما يدفنون في دورهم وأفنيتهم ، فدفن الناس إلى جنبه . فقال عليٌّ : رحم الله خباباً ، قد أسلم راغباً ، وهاجرطائعاً ، وعاش مجاهداً ، وابتلي في جسده أحوالاً ، ولن يضيع الله أجر من أحسن عملاً . فجاء حتى وقف عليهم ، ثم قال : عليكم السلام يا أهل الديار الموحشة والمحال المقفرة ، من المؤمنين والمؤمنات ، والمسلمين والمسلمات ، أنتم لنا سلف وفرط ونحن لكم تبع ، وبكم عما قليل لاحقون . اللهم اغفر لنا ولهم ، وتجاوز عنا وعنهم .
ثم قال : الحمد لله الذي جعل الأرض كِفَاتاً ، أحْيَاءً وأمْواتاً ، الحمد لله الذي جعل منها خلقنا وفيها يعيدنا وعليها يحشرنا . طوبى لمن ذكر المعاد ، وعمل للحساب ، وقنع بالكفاف ، ورضي عن الله بذلك .
ثم أقبل حتى دخل سكة الثوريين فقال : خشوا بين هذه الأبيات .
قال : لما مر على بالثوريين ، يعني ثور همدان ، سمع البكاء فقال : ما هذه الأصوات ؟ قيل : هذا البكاء على من قتل بصفين . فقال : أما إني أشهد لمن قتل منهم صابراً محتسباً بالشهادة . ثم مر بالفائشيين فسمع الأصوات فقال مثل ذلك ، ثم مر بالشباميين فسمع رنة شديدة وصوتاً مرتفعاً عالياً ، فخرج إليه حرب بن شرحبيل الشبامي فقال عليٌّ : أيغلبكم نساؤكم ، ألا تنهونهن عن هذا الصياح والرنين ؟ قال : يا أمير المؤمنين ، لو كانت داراً أو دارين أو ثلاثاً قدرنا على ذلك ، ولكن من هذا الحي ثمانون ومائة قتيل ،