سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٥١٥
وبلغت وقاحة الأشعث أن يطلب من الإمام ( ٧ ) أن يسكت كما سكت عثمان ! فقد روى المفيد في الأمالي / ١٤٥ ، عن جندب بن عبد الله الأزدي ، ورواه ابن قتيبة ( الإمامة والسياسة : ١ / ١٢٨ ) بتفصيل ، وفيه : ( ولما أراد علي الانصراف من النهروان ، قام خطيباً فحمد الله ثم قال : أما بعد فإن الله قد أحسن بلاءكم ، وأعز نصركم ، فتوجهوا من فوركم هذا إلى معاوية وأشياعه القاسطين ، الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً ، فبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون . فقالوا ( والقائل الأشعث ) يا أمير المؤمنين نفدت نبالنا ، وكلت أذرعنا ، وتقطعت سيوفنا ، ونصلت أسنة رماحنا ، فارجع بنا نحسن عدتنا ، ولعل أمير المؤمنين يزيد في عدتنا عدة ، فإن ذلك أقوى لنا على عدونا . فأقبل عليٌّ بالناس حتى نزل بالنخيلة ، فعسكر بها وأمرالناس أن يلزموا معه عسكرهم ، ويوطنوا أنفسهم على الجهاد ، وأن يقلوا من زيارة أبنائهم ونسائهم ، حتى يسيروا إلى عدوهم من أهل الشام ، فأقاموا معه أياماً ، ثم رجعوا يتسللون ويدخلون الكوفة ، ويتلذذون بنسائهم وأبنائهم ولذاتهم ، حتى تركوا علياً وما معه إلا نفر من وجوه الناس يسير ، وترك العسكر خالياً .
فقام علي على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس ، استعدوا للمسير إلى عدو في جهاده القربة إلى الله إلى أن قال : أتلو عليكم الحكمة ، وأعظكم بالموعظة النافعة ، وأحثكم على جهاد المحلين ، الظلمة الباغين ، فما آتى على آخر قولي حتى أراكم متفرقين ، إذا تركتكم عدتم إلى مجالسكم حلقاً عزين ، تضربون الأمثال ، وتناشدون الأشعار ، تربت أيديكم ، وقد نسيتم الحرب واستعدادها ، وأصبحت قلوبكم فارغة عن ذكرها ، وشغلتموها بالأباطيل والأضاليل ! فقام إليه الأشعث بن قيس الكندي فقال : يا أمير المؤمنين فهلا فعلت كما فعل عثمان ؟ قال له علي : ويلك وما فعل عثمان ، رأيتني عائذاً بالله من شر ما تقول ، والله إن الذي فعل عثمان لمخزاةٌ على من لا دين له ، ولا حجة معه ، فكيف وأنا على بينة من ربي ، والحق معي ، والله إن امرأ أمكن عدوه من نفسه ، فنهش عظمه ، وسفك دمه ، لعظيم عجزه ، ضعيف قلبه . أنت يا ابن قيس