سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٥١٦
فكن ذلك ، فأما أنا فوالله دون أن أعطى ذلك ضرب بالمشرفي يطير له فراش الرأس ، وتطيح منه الأكف والمعاصم ، وتجدُّ به الغلاصم ويفعل الله بعد ذلك ما يشاء .
والله يا أهل العراق ، ما أظن هؤلاء القوم من أهل الشام إلا ظاهرين عليكم ! فقالوا : أبعلم تقول ذلك يا أمير المؤمنين ؟ فقال : نعم ، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ، إني أرى أمورهم قد علت ، وأرى أموركم قد خبت ، وأراهم جادين في باطلهم ، وأراكم وانين في حقكم ، وأراهم مجتمعين وأراكم متفرقين ، وأراهم لصاحبهم معاوية مطيعين ، وأراكم لي عاصين !
أما والله لئن ظهروا عليكم بعدي لتجدنهم أرباب سوء ، كأنهم والله عن قريب قد شاركوكم في بلادكم ، وحملوا إلى بلادهم منكم ، وكأني أنظر إليكم تكشون كشيش الضباب ، لا تأخذون لله حقاً ، ولا تمنعون له حرمة ، وكأني أنظر إليهم يقتلون صلحاءكم ، ويخيفون علماءكم ، وكأني أنظر إليكم يحرمونكم ويحجبونكم ، ويدينون الناس دونكم ، فلو قد رأيتم الحرمان ، ولقيتم الذل والهوان ، ووقع السيف ونزل الخوف ، لندمتم وتحسرتم على تفريطكم في جهاد عدوكم ، وتذكرتم ما أنتم فيه من الخفض والعافية ، حين لا ينفعكم التذكار . فقال الناس : قد علمنا يا أمير المؤمنين أن قولك كله وجميع لفظك يكون حقاً ، أترى معاوية يكون علينا أميراً ؟ فقال : لا تكرهوا إمرة معاوية ، فإن إمرته سلم وعافية ، فلو قد مات رأيتم الرؤوس تندر عن كهولها كأنها الحنظل ، وعداً كان مفعولاً ، فأما إمرة معاوية فلست أخاف عليكم شرها ، ما بعدها أدهى وأمر !
ثم قام أبو أيوب الأنصاري ، فقال : إن أمير المؤمنين أكرمه الله قد أسمع من كانت له أذن واعية ، وقلب حفيظ ، إن الله قد أكرمكم به كرامة ما قبلتموها حق قبولها ، حيث نزل بين أظهركم ابن عم رسول الله ( ( ٦ ) ) وخير المسلمين وأفضلهم وسيدهم بعده ، يفقهكم في الدين ، ويدعوكم إلى جهاد المحلين ، فوالله لكأنكم صم لا تسمعون ، وقلوبكم غلف مطبوع عليها فلا تستجيبون . عباد الله ، أليس إنما عهدكم بالجور والعدوان أمس ، وقد شمل العباد ، وشاع في الإسلام ، فذو حق محروم ، ومشتوم