سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٢٧١
المعجزة الثالثة : كلمته جمجمة كسرى
قال نصر : ثم مضى نحو ساباط حتى انتهى إلى مدينة بَهْرَ سِير ( أكبر مدن المدائن ) وإذا رجل من أصحابه يقال له حر بن سهم بن طريف من بني ربيعة بن مالك ، ينظر إلى آثار كسرى ، وهو يتمثل قول ابن يعفر التميمي :
جرت الرياح على مكان ديارهم * فكأنما كانوا على ميعاد
فقال علي ( ٧ ) : أفلا قلت : كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ . وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ . كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ . فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ . إن هؤلاء كانوا وارثين فأصبحوا موروثين ، إن هؤلاء لم يشكروا النعمة فسلبوا دنياهم بالمعصية . إياكم وكفر النعم لا تحل بكم النقم . ثم قال : إنزلوا بهذه النجوة .
وروى عن حبة العرني قال : أمر علي بن أبي طالب الحارث الأعور فصاح في أهل المدائن : من كان من المقاتلة فليواف أمير المؤمنين صلاة العصر . فوافوه في تلك الساعة فحمد الله وأثنى عليه وقال : أما بعد فإني قد تعجبت من تخلفكم عن دعوتكم ، وانقطاعكم عن أهل مصركم في هذه المساكن الظالم أهلها ، والهالك أكثر سكانها لا معروفاً تأمرون به ، ولا منكراً تنهون عنه . قالوا : يا أمير المؤمنين ، إنا كنا ننتظر أمرك ورأيك ، مرنا بما أحببت .
فسار وخلف عليهم عدي بن حاتم ، فأقام عليهم ثلاثاً ثم خرج في ثمان مائة ، وخلف ابنه يزيد فلحقه في أربع مائة رجل منهم ، ثم لحق علياً ( ٧ ) .
وجاء عليٌّ حتى مر بالأنبار فاستقبله بنو خُشْنَوِشْك دهاقنتها . قال سليمان : خش : طيب . نوشك : راض . يعني بني الطيب الراضي ، بالفارسية . فلما استقبلوه نزلوا ثم جاؤوا يشتدون معه قال : ما هذه الدواب التي معكم ؟ وما أردتم بهذا الذي صنعتم ؟ قالوا : أما هذا الذي صنعنا فهو خلق منا نعظم به الأمراء . وأما هذه البراذين فهدية لك . وقد صنعنا لك وللمسلمين طعاماً ، وهيأنا لدوابكم علفاً كثيراً . قال : أما هذا الذي زعمتم أنه منكم خلق تعظمون به الأمراء فوالله