سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٤٢٩
جمعة لأشراف قريش ولأشراف الشام ووفود العراق ، فلم يشعر معاوية إلا وعبد الله بين يديه وقد ذبل وسَهِمَ وجهه فعرفه ولم يعرفه عمرو بن العاص ، فقال معاوية : أتعرف هذا الفتى ؟ قال لا ، قال : هذا ابن الذي كان يقول في صفين :
أعور يبغي أهله محلا / قد عالج الحياة حتى ملا
قال عمرو : وإنه لهو ! دونك الضب المضب فاشخب أوداجه ، ولا ترجعه إلى أهل العراق فإنهم أهل فتنة ونفاق ، فقال عبد الله وهو في القيد : يا ابن الأبتر ، هلا كانت هذه الحماسة عندك يوم صفين ، ونحن ندعوك إلى البراز وتلوذ بشمائل الخيل كالأمة السوداء والنعجة القوداء ! أما إنه إن قتلني قتل رجلاً كريم المخبرة ، حميد المقدرة ، ليس بالجبس المنكوس ، ولا الثلب المركوس . فقال عمرو : دع كيت وكيت ، فقد وقعت بين لحيي لهزم فروس للأعداء ، يسعطك إسعاط الكودن الملجم . قال عبد الله : أكثر إكثارك ، فإني أعلمك بطراً في الرخاء ، جباناً في اللقاء ، هيابةً عند كفاح الأعداء ، ترى أن تقى مهجتك بأن تبدى سوأتك ! أنسيت صفين وأنت تدعى إلى النزال فتحيد عن القتال ، خوفاً أن يغمرك رجال لهم أبدان شداد ، وأسنة حداد ، ينهبون السرح ، ويذلون العزيز !
فقال معاوية : ألاتسكت لا أم لك ! فقال : يا ابن هند أتقول لي هذا ! والله لئن شئت لأعرقن جبينك ولأقيمنك وبين عينيك وسماً يلين له أخدعاك . أبأكثر من الموت تخوفني ! فقال معاوية : أو تكف يا ابن أخي ! وأمر به إلى السجن .
ثم أحسن معاوية جائزته وأخذ عليه موثقاً ألايساكنه بالشام فيفسد عليه أهله ) .
* *