سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٥٠
فقلب جذب وجبذ أي يجب على الإمام العادل أن يشبه نفسه في لباسه وطعامه بضعفة الناس جمع ضعيف ، لكيلا يهلك الفقراء من الناس . فإنهم إذا رأوا إمامهم بتلك الهيئة وبذلك المطعم كان أدعى لهم إلى سلوان لذات الدنيا والصبر عن شهوات النفوس .
واعلم أن الذي رويته عن الشيوخ ورأيته بخط عبد الله بن أحمد بن الخشاب ( رحمه الله ) أن الربيع بن زياد الحارثي أصابته نشابة في جبينه ، فكانت تنتقض عليه في كل عام ، فأتاه علي ( ٧ ) عائداً فقال : كيف تجدك أبا عبد الرحمن ؟ قال : أجدني يا أمير المؤمنين لو كان لا يذهب ما بي إلا بذهاب بصري لتمنيت ذهابه . قال : وما قيمة بصرك عندك ؟ قال لو كانت لي الدنيا لفديته بها . قال : لاجرم ليعطينك الله على قدر ذلك ، إن الله تعالى يعطي على قدر الألم والمصيبة ، وعنده تضعيف كثير .
قال الربيع : يا أمير المؤمنين ألا أشكوا إليك عاصم بن زياد أخي ؟ قال : ما له ؟ قال : لبس العباء وترك الملاء وغم أهله وحزن ولده . فقال عليٌّ : ادعوا لي عاصماً ، فلما أتاه عبس في وجهه وقال : ويحك يا عاصم ، أترى الله أباح لك اللذات وهو يكره ما أخذت منها ! لأنت أهون على الله من ذلك . أوَما سمعته يقول : مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ . ثم قال : يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ . وقال : وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها .
أما والله إن ابتذال نعم الله بالفعال أحب إليه من ابتذالها بالمقال ، وقد سمعتم اللَّه يقول : وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ . وقوله : مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ا للهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِه وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ . إن الله خاطب المؤمنين بما خاطب به المرسلين فقال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ . وقال : يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً . وقال رسول الله ( ( ٦ ) ) لبعض نسائه : مالي أراك شعثاء مرهاء سلتاء !
قال عاصم : فلم اقتصرت يا أمير المؤمنين على لبس الخشن وأكل الجشب ؟ قال ( ٧ ) : إن الله افترض على أئمة العدل أن يقدروا لأنفسهم بالقوام كيلا يتبيغ بالفقير فقره . فما قام علي ( ٧ ) حتى نزع عاصم العباء ، ولبس ملائة .
والربيع بن زياد هو الذي افتتح بعض خراسان وفيه قال عمر : دلوني على رجل إذا كان في القوم أميراً فكأنه ليس بأمير ، وإذا كان في القوم ليس بأمير فكأنه الأمير بعينه ،