سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٣٠٠
وقَتْلَى علي في أرض قِبْلي المشهد وشرقيُّهُ ، وقتلى معاوية من غربي المشهد ، وجثثهم في تلال من التراب والحجارة .
كانوا لكثرة القتلى يحفرون حفائر ويطرحون القتلى فيها ويهيلون التراب عليهم ، ويرفعونه عن وجه الأرض ، فصارت لطول الزمان كالتلال .
وفي حديث محمد بن إسحاق قال : أقبل معاوية حتى نزل صفين ، والصفين مدينة عتيقة من مدائن الأعاجم في أرض قنسرين على شاطئ الفرات ، فيما بين منبج والرقة ، على نجفة مشرفة الجذل ، وبين النجفة وبين الفرات غيضة آسنة ذات ماء آجن ، لايُقدر على الفرات إلا من شرائع الغيضة ، فمن قدر على الشريعة استقى ، ومن لم يقدر على الشريعة استقى من الجرف بالدلاء ، ماء آجناً غليظاً لا يشرب إلا بالشن ) .
وقال ابن قتيبة في الأخبار الطوال / ١٦٧ : ( وهي قرية خراب من بناء الروم ، منها إلى الفرات غلوةٌ ، وعلى شط الفرات مما يليها غيضة ملتفة ، فيها نزور طولها نحو من فرسخين ، وليس في ذينك الفرسخين طريق إلى الفرات إلا طريق واحد مفروش بالحجارة ، وسائر ذلك خَلافٌ وغَرْب ( شجر ) ملتف لا يسلك ، وجميع الغيضة نُزُورٌ ووحل ، إلا ذلك الطريق الذي يأخذ من القرية إلى الفرات . وأمر معاوية أباالأعور أن يقف في عشرة آلاف من أهل الشام على طريق الشريعة فيمنع من أراد السلوك إلى الماء من أهل العراق .
وأقبل علي حتى وافى المكان ، فصادف أهل الشام قد احتووا على القرية والطريق ، فأمر الناس فنزلوا بالقرب من عسكر معاوية وانطلق السقاؤون والغلمان إلى طريق الماء ، فحال أبوالأعور بينهم وبينه ، وأُخبر علي بذلك فقال لصعصعة بن صوحان : إيت معاوية . .
وظل أهل العراق يومهم ذلك وليلتهم بلا ماء ، إلا من كان ينصرف من الغلمان إلى طرف الغيضة ، فيمشي مقدار فرسخين فيستقي ، فغمَّ علياً أمر الناس غماً شديداً ، وضاق بما أصابهم من العطش ذرعاً ، فأتاه الأشعث بن قيس فقال : يا أمير المؤمنين ، أيمنعنا القوم الماء وأنت فينا ومعنا سيوفنا ؟ وَلِّنِي الزحف إليه فوالله لا أرجع أو