سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٣٥٩
القتال غدوةً في يوم من أيام الشعرى طويل شديد الحر ، فتراموا حتى فنيت النبل ، ثم تطاعنوا حتى تقصفت رماحهم ثم نزل القوم عن خيولهم فمشى بعضهم إلى بعض بالسيوف حتى كسرت جفونها ، وقامت الفرسان في الركب ، ثم اضطربوا بالسيوف وبعمد الحديد ، فلم يسمع السامع إلا تغمغم القوم ، وصليل الحديد في الهام ، وتكادم الأفواه ! وكسفت الشمس ، وثار القتام ، وضلت الألوية والرايات ، ومرت مواقيت أربع صلوات لم يسجد لله فيهن إلا تكبيراً ، ونادت المشيخة في تلك الغمرات : يا معشر العرب ، الله الله في الحرمات من النساء والبنات ! قال جابر : فبكى أبو جعفر وهو يحدثنا بهذا الحديث .
قال : وأقبل الأشتر على فرس كميت محذوف ، قد وضع مغفره على قربوس السرج وهو يقول : إصبروا يا معشرالمؤمنين ، فقد حميَ الوطيس ! ورجعت الشمس من الكسوف ، واشتد القتال ، وأخذت السُّباع ( مجموعات القبائل ) بعضها بعضاً ، فهم كما قال الشاعر :
مضت واستأخر القرعاء عنها * وخلى بينهم إلا الوريع
قال : يقول واحد لصاحبه في تلك الحال : أي رجل هذا لو كانت له نية . فيقول له صاحبه : وأي نية أعظم من هذه ثكلتك أمك وهبلتك ! إن رجلاً فيما قد ترى قد سبح في الدماء وما أضجرته الحرب ، وقد غلت هام الكماة الحر ، وبلغت القلوب الحناجر ، وهو كما تراه جذعاً يقول هذه المقالة ! اللهم لا تبقنا بعد هذا ) !
وفي تفسير العياشي ( ١ / ٢٧٢ ) : ( وإذا كان الخوف أشد من ذلك مثل المضاربة والمناوشة والمعانقة وتلاحم القتال ، فإن أمير المؤمنين ( ٧ ) ليلة صفين وهي ليلة الهرير ، لم يكن صلى بهم الظهر والعصر والمغرب والعشاء عند وقت كل صلاة إلا بالتهليل والتسبيح والتحميد والدعاء ، فكانت تلك صلاتهم لم يأمرهم بإعادة الصلاة ) .
٣ . قال ابن الأعثم ( ٣ / ١٨٠ ) : ( قامت الفرسان في الركب فاصطفقوا بالسيوف وارتفع الرَّهْج وثار القَتام ، وتضعضعت الرايات وحُطّت الألوية ، وغابت