سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٢٤٤
قال : ثم ولى مغضباً ، وأنشأ يقول :
معاوي إما تدعنا لعظيمة * فنحن لها إن لم نحام على الحقب
فول علينا من يحوط ذمارنا * من الحميريين الملوك على العرب
أفي كل يوم لا يزال يقودنا * إلى الموت فجفاج إذا الحرب اقترب
يحامي علينا ساعة ثم يمتري * بساقية خراج الغبار من الكرب
لعمرو وبسر والجبان ابن خالد * وعتبة الفرار في حومة اللهب
قال : فدعاه معاوية فترضاه وقال : يا أخا حمير ! فإني لا أولي عليكم إلا من
تحبون بعد هذا اليوم ، وأنزل الأمر حيث تريدون .
قال : فلما كان من غد وثب معاوية فعبأ أصحابه ثم قال : يا أهل الشام ! دعوا ما مضى ، إني أريد منكم اليوم أن تجدوا في حربكم وتقدموا عزمكم وتفرغوا مجهودكم ، وسلوني حوائجكم . قال : فوثب عك والأشعريون فقالوا : يا معاوية ! إننا قد قاتلنا معك علي بن أبي طالب ، ثم إن قلوبنا لتميل إليه لأننا لا نشك في حقه ولا نشك في باطلك ، غير أننا قوم من أهل الشام فلم تحب أن تخرج أيدينا من طاعتك ، وقد علمت أنه ليس لنا ضياع ولا قرى ، إنما نحن أصحاب إبل وغنم ، فنريد منك الفرض والقطائع والعقارات ، وإلا والله قلبنا أعنة الخيل إلى غيرك !
فقال معاوية : نعم والله وكرامة لكم ، فهاتوا ما الذي تريدون ؟ قالت عك : أما نحن فإننا نريد الفرض والعطاء . وقال الأشعريون : نريد منك أن تقطعنا حوران والتثنية فتكون لنا ولعقبنا من بعدنا . فقال معاوية : فإني قد فعلت ذلك وكرامة لكم .
قال : وبلغ أصحاب علي ذلك فلم يبق خلق من أهل العراق ممن كان في قلبه مرض أو شك إلا وطمع في معاوية وشخص ببصره نحوه ، أو همَّ أن يصير إليه ، حتى فشا ذلك في الناس . قال : فوثب المنذر بن حفصة الهمذاني إلى علي بن أبي طالب فقال : يا أمير المؤمنين : إن عكاً والأشعريين قد طلبوا من معاوية الفرض والعطاء والعقارات من حوران والثنية وغير ذلك ، قد باعوا الدين بالدنيا واشتروا الضلالة بالهدى ، ونحن قد رضينا بالآخرة من الدنيا ، وبالعراق من الشام وبك من معاوية ، والله إننا لنعلم أن