سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٤١١
وأقبل عمار ومعه الأجلاء من أهل عسكره ، وتقدم عمرو بن العاص في أجلاء عسكره حتى اختلفت أعناق الخيل ، فنزلوا هؤلاء وهؤلاء عن خيولهم واحتبوا بحمائل سيوفهم ، وذهب عمرو يتكلم التشهد ، فقال عمار : أسكت ! وقد تركتها في حياة محمد ( ( ٨ ) ) وبعد موته ، ونحن أحق بها منك ، فاخطب بخطبة الجاهلية ، وقل قول من كان في الإسلام دنياً ذليلاً وفي الضلال رأساً محارباً ، فإنك ممن قاتل النبي ( ( ٦ ) ) في حياته وبعد موته وفتن أمته من بعده ، وأنت الأبتر بن الأبتر شانئ محمد ( ( ٨ ) ) وشانئ أهل بيته ! قال : فغضب عمرو ثم قال : أما إن فيك لهنات ! ولو شئت أن أقول لقلت . فقال عمار : وما عسى أن تقول عني ؟ إني كنت ضالاً فهداني الله ، ووضيعاً فرفعني الله ، وذليلاً فأعزني الله ، فإن كنت تزعم هذا فقد صدقت وإن تزعم أني خنت الله ورسوله يوماً واحداً ، أو توليت غيرالله يوماً واحداً فقد كذبت ! ولكن هلم إلى ما نحن فيه الآن ، فإن شئت كانت خصومة فيدفع حقنا باطلك ، وإن شئت كانت خطب فنحن أعلم بفصل الخطاب منك ، وإن شئت أخبرتك بكلمة تفصل بيننا وبينك وتكفرك قبل القيام من مجلسك وتشهد بها على نفسك ، ولا تستطيع أن تكذبني : هل تعلم أن عثمان بن عفان كان عليه الناس بين خاذل له ومحرض عليه وما همَّ فيه من نصره بيده ولا نهي عنه بلسانه ؟ وقد حصرأربعين يوماً في جوف داره ليس له جمعة ولا جماعة ، وتظن ما كان فيه قبل أن يقتل ما كان من طلحة والزبير وعائشة بنت أبي بكر ، حين منعها أرزاقها فقالت فيه ما قالت ، وحرضت على قتله ، فلما قتل خرجت فطلبت بدمه بغير حق ، ولا حكم من الله تعالى في يدها ! ثم إن صاحبك هذا معاوية قد طلب إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أن يترك له ما في يده ، فأبى علي ذلك ، فانظر في هذا ، ثم سلط الحق على نفسك فاحكم لك وعليك .
قال فقال عمرو : صدقت أبا اليقظان قد كان ذلك كما ذكرت في أمر عائشة وطلحة والزبير . وأما معاوية فله أن يطلب بدم عثمان ، لأنه رجل من بني أمية وعثمان من بني أمية ، وليس لهذا جئتُ ، إذ رِسْل هذا الأمر الذي قد شجر بيننا وبينكم ، لأني رأيتك