سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ١٥٨
خلق الخلق واختار خيرة من خلقه ، واصطفى صفوة من عباده ، يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ . فأمَّر الأمر وشرع الدين وقسم القسم على ذلك ، وهو فاعله وجاعله ، وهو الخالق وهو المصطفى وهو المشرع ، وهو القاسم وهو الفاعل لما يشاء ، له الخلق وله الأمر وله الخيرة والمشية والإرادة ، والقدرة والملك والسلطان ، أرسل رسوله خيرته وصفوته ( ( ٨ ) ) بالهدى ودين الحق ، وأنزل عليه كتابه فيه تبيان كل شئ من شرائع دينه ، فبينه لقوم يعلمون وفرض فيه الفرائض ، وقسم فيه سهاماً أحل بعضها لبعض وحرم بعضها لبعض ، بينها يا معاوية إن كنت تعلم الحجة ، وضرب أمثالاً لايعقلها إلا العالمون . فأنا سائلك عنها أو بعضها إن كنت تعلم ، واتخذ الحجة بأربعة أشياء على العالمين ، فما هي يا معاوية ولمن هي ؟ واعلم أنهن حجة لنا أهل البيت على من خالفنا ونازعنا وفارقنا وبغى علينا ، والمستعان الله ، عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون .
وكانت جملة تبليغه رسالة ربه فيما أمره وشرع وفرض وقسم جملة الدين ، يقول الله : أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ، هي لنا أهل البيت ليست لكم ، ثم نهى عن المنازعة والفرقة ، وأمر بالتسليم والجماعة ، فكنتم أنتم القوم الذين أقررتم لله ولرسوله بذلك ، فأخبركم الله أن محمداً ( ( ٨ ) ) لم يك أباأحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين ، وقال عز وجل : أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ . فأنت وشركاؤك يا معاوية القوم الذين انقلبوا على أعقابهم وارتدوا ، ونقضوا الأمر والعهد فيما عاهدوا الله ، ونكثوا البيعة ولم يضروا الله شيئاً ، ألم تعلم يا معاوية أن الأئمة منا ليست منكم ، وقد أخبركم الله أن أولي الأمر مستنبطوا العلم وأخبركم أن الأمر كله الذي تختلفون فيه يرد إلى الله وإلى الرسول وإلى أولي الأمر مستنبطي العلم . فمن أوفى بما عاهد عليه يجد الله موفياً بعهده يقول الله : وَأَوْفُوا بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّاىَ فَارْهَبُونِ . وقال عز وجل : أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيماً ، وقال للناس بعدهم : فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا . نحن آل إبراهيم المحسودون وأنت الحاسد لنا . خلق الله آدم بيده ، ونفخ فيه