سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٩٩
فكتب إليه معاوية :
بسم الله الرحمن الرحيم . من معاوية بن أبي سفيان إلى الزاري على أبيه محمد بن أبي بكر . سلام على أهل طاعة الله . أما بعد فقد أتاني كتابك ، تذكر فيه ما الله أهله في قدرته وسلطانه ، وما أصفى به نبيه ، مع كلام ألفته ووضعته ، لرأيك فيه تضعيف ، ولأبيك فيه تعنيف .
ذكرت حق ابن أبي طالب ، وقديم سوابقه وقرابته من نبي الله صلى الله عليه ، ونصرته له ومواساته إياه في كل خوف وهول ، واحتجاجك على بفضل غيرك لا بفضلك . فأحمد إلهاً صرف الفضل عنك وجعله لغيرك . وقد كنا وأبوك معنا في حياة من نبينا صلى الله عليه نرى حق ابن أبي طالب لازماً لنا ، وفضله مبرزاً علينا ، فلما اختار الله لنبيه ما عنده ، وأتم له ما وعده ، وأظهر دعوته وأفلج حجته ، قبضه الله إليه ، فكان أبوك وفاروقه أول من ابتزه وخالفه . على ذلك اتفقا واتسقا ، ثم دعواه إلى أنفسهم فأبطأ عنهما وتلكأ عليهما ، فهما به الهموم ، وأرادا به العظيم ، فبايع وسلم لهما ، لا يشركانه في أمرهما ، ولا يطلعانه على سرهما ، حتى قبضا وانقضى أمرهما .
ثم قام بعدهما ثالثهما عثمان بن عفان يهتدي بهديهما ، ويسير بسيرتهما ، فعبته أنت وصاحبك ، حتى طمع فيه الأقاصي من أهل المعاصي ، وبطنتما له وأظهرتما ، وكشفتما عداوتكما وغلكما ، حتى بلغتما منه مناكما .
فخذ حذرك يا ابن أبي بكر ، فسترى وبال أمرك . وقس شبرك بفترك تقصرعن أن تساوي أو توازي من يزن الجبال حلمه ، ولا تلين على قسر قناته ، ولا يدرك ذو مدى أناته . أبوك مهد مهاده ، وبنى ملكه وشاده ، فإن يكن ما نحن فيه صواباً فأبوك أوله ، وإن يك جوراً فأبوك أسسه ونحن شركاؤه ، وبهديه أخذنا ، وبفعله اقتدينا .
ولولا ما سبقنا إليه أبوك ما خالفنا ابن أبي طالب وأسلمنا له ، ولكنا رأينا أباك فعل ذلك فاحتذينا بمثاله ، واقتدينا بفعاله . فعب أباك ما بدا لك أو دع ، والسلام على من أناب ، ورجع عن غوايته وتاب !