سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٥٣٠
يصنع ، فدعا بالمغيرة بن شعبة وقد كان أتاه زائراً من الطائف ، فقال له : ويحك يا مغيرة أشرعلي فقد بلغني أن عمراً يريد الأمر لنفسه ! فقال له المغيرة : إنه لو وسعني أن أشيرعليك أو آمرك لوسعني أن أنصرك على علي ، ولكن عليَّ أن آتيك بخبر الرجلين جميعاً عمرو وأبي موسى . قال : ثم خرج المغيرة من عند معاوية وسار حتى أتى دومة الجندل فدخل على أبي موسى كأنه زائر له ، فحدثه ساعة ثم قال : يا أبا موسى ، ما تقول فيمن اعتزل هذا الأمر وكره هذه الدماء فلم يكن مع علي ولا معاوية ؟ فقال أبو موسى : أولئك والله خيار الناس ، ممن قد خف ظهره من مظالم العباد .
قال : ثم تركه المغيرة وأقبل حتى دخل على عمرو بن العاص ، فحدثه ساعة ثم قال : أبا عبد الله ، ما تقول فيمن اعتزل هذه الدماء ولم يدخل نفسه في شئ من هذه الأمور ؟ فقال عمرو : أولئك من أشرارخلق الله لا يعرفون حقاً ولا ينكرون باطلاً . قال : فخرج المغيرة إلى معاوية فقال : أما أبو موسى فإنه خالع صاحبه علياً ، لا أشك في ذلك على ما سمعت في ذلك من كلامه وأما عمرو فإنني قد سمعت كلاماً يدل على أنه يريد أمراً .
قال : فاغتم معاوية لذلك ، ثم كتب إلى عمرو هذه الأبيات :
بدا الأمر ما لا تبتلعه الأضالع * وكل امرئ يوماً إلى الله راجع
فيا عمرو قد لاحت عيون كثيرة * فيا ليت شعري عمرو ما أنت صانع
وقال رجال إن عمراً يريدها * فقلت لهم عمرو لي اليوم تابع
وإنك قد أبطأت فيها وبادرت * عليك بتحقيق الظنون الأصابع
فأسرع بها أو ابْطِ على غير ريبة * يكون بها في البيد والنقع ساطع
بك اليوم في عقد الخلافة ظالماً * ومن دون ما ظنوا بك اليوم مانع
قال : وصاح الناس على أبي موسى وعمرو بن العاص ، وقالوا : إنكما قد أبطأتما بهذا الأمر ، وإننا نخاف انقطاع المدة ولم تصنعا شيئاً فتعود الحرب إلى ما كانت ! قال : فعندها أقبل عمرو حتى دخل على أبي موسى فقال له : أبا موسى : هل لك أن تخلع صاحبك علياً وأخلع أنا صاحبي معاوية ونجعل هذا الأمر في يد عبد الله بن عمر بن الخطاب ، فإنه رجل زاهد عابد ولم يبسط في هذه الحروب لسانا ولا يداً ؟ فقال