سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٥١٩
وكان التنوع في قبائل العراقيين وتعدد جذورهم ومشاربهم ، ومكر الأشعث بن قيس ، عاملاً في إضعاف طاعة العراقيين لعلي ( ٧ ) ، مقابل وحدة العصبة الشامية وطاعة رؤسائهم المطلقة لمعاوية .
٢ . قال المسعودي عن معاوية ( مروج الذهب : ٣ / ٣١ ) : ( بلغ من إحكامه للسياسة وإتقانه لها واجتذابه قلوب خواصه وعوامه ، أن رجلًا من أهل الكوفة دخل على بعيرله إلى دمشق في حال منصرفهم عن صفين ، فتعلق به رجل من دمشق فقال : هذه ناقتي أُخذت مني بصفين ، فارتفع أمرهما إلى معاوية ، وأقام الدمشقي خمسين رجلاً بينة ، يشهدون أنها ناقته ، فقضى معاوية على الكوفي وأمره بتسليم البعير اليه . فقال الكوفي : أصلحك الله إنه جمل وليس بناقة ! فقال معاوية : هذا حكم قد مضى ! ودس إلى الكوفي بعد تفرقهم فأحضره وسأله عن ثمن بعيره فدفع اليه ضعفه وبرّه وأحسن اليه ، وقال له : أبلغ علياً أني أُقاتله بمائة ألف ما فيهم من يفرق بين الناقة والجمل !
وقد بلغ من أمرهم في طاعتهم له أنه صلى بهم عند مسيرهم إلى صفين الجمعة في يوم الأربعاء ! وأعاروه رؤوسهم عند القتال وحملوه بها ! وركنوا إلى قول عمرو بن العاص : إن علياً هو الذي قتل عمَّار بن ياسر حين أخرجه لنصرته ! ثم ارتقى بهم الأمر في طاعته إلى أن جعلوا لَعْنَ علي سُنَّة ، ينشأ عليها الصغير ، ويهلك عليها الكبير ) !
٣ . يتعجب المسعودي من سياسة معاوية ، وتصرفه مع صاحب الجمل ورسالته إلى علي ( ٧ ) . وقد تميز معاوية بالدهاء السياسي ، واشتهر وصفه بالحلم وهو أبعد الناس عن الحلم ، واشتهر بالعقل ولو كان له عقل لما أقام دولة على جثث مئة ألف مسلم وأكثر ، ثم سلمها لولده الأرعن فبددها !
( قيل لمالك بن أنس : كان معاوية حليماً ، فقال : وكيف يكون حليماً من أرسل بسر بن أرطاة ما بينه وبين اليمن لا يسمع بأحد عنده خبر يخاف منه إلا قتله ! ما كان بحليم ولا مبارك ) ! ( شرح الأخبار للقاضي النعمان : ٢ / ١٦٩ ) .
وسأل رجلٌ الإمام الصادق ( ٧ ) : ( ما العقل ؟ قال : ما عُبد به الرحمن واكتسب