سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٤٧١
( أما بعد : فإن لي عليكم حقاً ، ولكم علي حق ، أما حقكم علي : فالنصيحة في ذات الله ، وتوفير فيئكم عليكم ، وتعليمكم كيلا تجهلوا ، وتأديبكم كيما تعلموا . وأما حقي عليكم : فالوفاء بالبيعة ، والنصح لي في الإجابة حين أدعوكم ، والطاعة حين آمركم ، فإن يرد الله بكم خيراً تنزعوا عما أكره ، وترجعوا إلى ما أحب ، تنالوا بذلك ما تحبون ، وتدركوا ما تأملون .
أيها الناس المجتمعة أبدانهم ، المختلفة أهواؤهم ، ما عزت دعوة من دعاكم ، ولا استراح قلب من قاساكم ، كلامكم يوهي الصم ، وفعلكم يطمع فيكم عدوكم ، إذا أمرتكم بالمسير قلتم كيت وكيت ، أعاليل بأضاليل هيهات لا يدرك الحق إلا بالجد والصبر ، أي دار بعد داركم تمنعون ؟ ومع أي إمام بعدي تقاتلون ؟ المغرور والله من غررتموه ، ومن فاز بكم فاز بالسهم الأخيب ، أصبحت لا أطمع في نصرتكم ، ولا أصدق قولكم ، فرق الله بيني وبينكم ، وأعقبني بكم من هو خير لي ، وأعقبكم بعدي من هو شر لكم مني !
أما إنكم ستلقون بعدي ذلا شاملاً ، وسيفاً قاتلاً ، وأثرة يتخذها الظالمون بعدي عليكم سنة ، تفرق جماعتكم ، وتبكي عيونكم ، وتدخل الفقر بيوتكم ! تَمنَّوْنَ والله عندها أن لو رأيتموني ونصرتموني ، . وستعرفون ما أقول لكم عما قليل .
استنفرتكم فلم تنفروا ، ونصحت لكم فلم تقبلوا ، وأسمعتكم فلم تعوا ، فأنتم شهود كغياب ، وصُمٌّ ذووا أسماع ، أتلو عليكم الحكمة ، وأعظكم بالموعظة النافعة ، وأحثكم على جهاد المحلين ، الظلمة الباغين ، فما آتى على آخر قولي حتى أراكم متفرقين !
إذا تركتكم عدتم إلى مجالسكم حلقاً عزين ، تضربون الأمثال ، وتناشدون الأشعار ، تربت أيديكم ! وقد نسيتم الحرب واستعدادها ، وأصبحت قلوبكم فارغة عن ذكرها ، وشغلتموها بالأباطيل والأضاليل !
ويحكم ! أغزوا عدوكم قبل أن يغزوكم ، فوالله ما غزيَ قوم قط في عقر دارهم إلا ذلوا ، وأيم الله ما أظنكم تفعلون حتى يفعل بكم !