سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٤٣٨
والله إني لأظن أن قد أذن بفنائكم ، ويحكم خلوا بين هذين الرجلين فليقتتلا ، فأيهما قتل صاحبه مِلنا معه جميعاً .
وكان أبرهة من رؤساء أصحاب معاوية ، فبلغ ذلك علياً فقال : صدق أبرهة بن الصباح ، والله ما سمعت بخطبة منذ وردت الشام أنا بها أشد سروراً مني بهذه . وبلغ معاوية كلام أبرهة فتأخرآخر الصفوف وقال لمن حوله : إني لأظن أبرهة مصاباً في عقله ! فأقبل أهل الشام يقولون : والله إن أبرهة لأفضلنا ديناً ورأياً وبأساً ، ولكن معاوية كره مبارزة علي ! فقال أبرهة :
لقد قال ابن أبرهة مقالاً * وخالفه معاوية بن حرب
لأن الحق أوضح من غرور * ملبسة غرائضه بحقب
رمى بالفيلقين به جهاراً * وأنتم ولد قحطان بحرب
فخلوا عنهما ليثي عراك * فإن الحق يدفع كل كذب
وما أن يعتصم يوماً بقول * ذوو الأرحام إنهم لصحبي
وكم بين المنادي من بعيد * ومن يغشى الحروب بكل عضب
ومن يرد البقاء ومن يلاقي * بإسماح الطعان وصفح ضرب
أيهجرني معاوية بن حرب * وما هجرانه سخطاً لربي
وعمرو إن يفارقني بقول * فإن ذراعه بالغدر رحب
وإني إن أفارقهم بديني * لفي سعة إلى شرق وغرب
وبرز يومئذ عروة بن داود الدمشقي فقال : إن كان معاوية كره مبارزتك يا أبا الحسن فهلم إليَّ . فتقدم إليه عليٌّ فقال له أصحابه : ذر هذا الكلب فإنه ليس لك بخطر ، فقال : والله ما معاوية اليوم بأغيظ لي منه ، دعوني وإياه ! ثم حمل عليه فضربه فقطعه قطعتين سقطة إحداهما يمنة والأخرى يسرة ، فارتج العسكران لهول الضربة ثم قال : إذهب يا عروة فأخبرقومك ! أما والذي بعث محمداً بالحق ، لقد عاينت النار وأصبحت من النادمين .
وقال ابن عم لعروة : واسوء صباحاه قبح الله البقاء بعد أبي داود ثم أنشأ :
فقدت عروة الأرامل والأيتام * يوم الكريهة الشنعاء . .