سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٤١٣
قال : فقام أهل الشام فركبوا خيولهم ولهم زجل فصاروا إلى معاوية ، فقال له معاوية : ماوراءكم ؟ فقالوا : وراءنا والله أنا قد سمعنا من عمار بن ياسر كلاماً يقطر الدم ! ووالله لقد أخرس عمرو بن العاص حتى ما قدر له على الجواب ! فقال معاوية : هلكت العرب بعد هذا ورب الكعبة !
قال : ورجع عمار في أصحابه إلى علي بن أبي طالب فأخبره بالذي دار بينه وبين عمرو بن العاص ، فأنشأ رجل من أصحاب علي يقول :
ما زلت يا عمرو قبل اليوم مبتدراً * تبغي الخصومة جهراً غير سرار
حتى رأيت أبا اليقظان منتصباً * لله در أبي اليقظان عمار
ما زال يقرع منك العظم منتقياً * مخ العظام بحق غير إنكار
حتى رمى بك في بحر له لجج * يرمي بك الموج في لج من النار
قال : وقد كان مع معاوية رجل من حمير يقال له : الحصين بن مالك ، وكان يكاتب علي بن أبي طالب ويدله على عورات معاوية ، وكان له صديق من أصحاب معاوية يقال له : الحارث بن عوف السكسكي ، فلما كان ذلك اليوم قال الحصين بن مالك للحارث بن عوف : يا حارث إنه قد آتاك الله ما أردت ، هذا عمرو وعمار وأبونوح وذو الكلاع قد التقوا ، فهل لك أن تسمع من كلامهم ؟ فقال الحارث بن عوف : إنما هو حق وباطل ، وفي يدي من الله هدى ، فسر بنا يا حصين . قال : فجاء الحصين والحارث حتى سمعا كلام عمرو وعمار ،
فلما سمع الحارث بن عوف كلام عمار وتظاهر الحجة على عمرو بقي متحيراً ، فقال له الحصين : ما عندك الآن يا حارث ؟ فقال الحارث : ما عندي ؟ وقعتُ والله بين العار والنار ، ووالله لا أقاتل مع معاوية بعد هذا اليوم أبداً ، فقال له : ولا أنا أقاتل علياً بعد هذا اليوم أبداً . قال : ثم هربا من عسكر معاوية جميعاً فصار أحدهم إلى حمص وأظهر التوبة ، وصار الحارث بن عوف إلى مصر تائباً من قتال علي وأنشأ يقول :