سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٣٨٧
ومنا من يهوى ما لا يستطيع ، وليس ينفعك إلا من فعل واستطاع ، وقد والله ذهب الفاعل وضعف المستطيع ، ولسنا نحرك من شئ إن كنت قاتلت معاوية لله وقاتلك للدنيا ، فقد والله بلغ أهل الدين من الدنيا حاجتهم ، وإن كانوا بلغوا منا دون ما بلغنا منهم . فإن كنت كرهت هذه القضية وأردت قتالهم ، فمن مضى بمن مضى ومن بقي بمن بقي . والسلام .
قال : فجعل كل إنسان يتكلم بما يحضره من الكلام ، حتى قام شريك الأعور الهمداني والأحنف بن قيس وحارثة بن قدامة السعدي ، فتكلموا وحرضوا ، وخاف معاوية أن ينتقض عليه الأمر ، غير أنه ينظر إلى وجوه القوم فيعرفهم بأعيانهم وهو في ذلك حنق عليهم ، حتى قام عبد الله بن سوار ، وهو الذي قتل عبيد الله بن عمر فسكن القوم وقال : أسكنوا حتى أتكلم مع أمير المؤمنين بما أريد ، ثم أقبل على علي فقال : يا أمير المؤمنين ! والله إننا لنعلم أنك ما أوردت ولا أصدرت إلا ومعك من الله عز وجل برهان وحجة ، ونحن ممن يأمر ولا يؤمر عليه ، فإن كنت عزمت لم تفل ، وإن كنت لم تعزم فالمشورة لله رضا ، وليس أول أمر كآخره ، لأنه قد نكدر صفونا وقل جدنا ، وذهب أهل البصيرة والصبر منا ، وبقي أهل الشك والعلل ، وفينا أئمة جور ، ورجال هدى وهم قليل ، والأمر إليك .
قال : فوثب الأشتر مغضباً ثم قال : يا ابن سوار ! ما هذا الكلام الضعيف والرأي السخيف ؟ أسكن ودعني أكلم أمير المؤمنين ، إن معاوية لا خلف له من رجاله ، ولك عند الله الخلف ، ولو كان له مثل رجالك لم يكن له مثل صبرك ولا نظرك وقد بلغ الحق مقطعه ، وليس لنا معك رأي ، فإن أجبت إلى هذه القضية فأنت الإمام الرشيد والبطل المجيد ، وإن أبيت ذلك فاقرع الحديد على الحديد ، واستعن بالله العزيز الحميد .
قال : فقال له علي ( رضي الله عنه ) : أجلس ! فقد قضيت ما عليك .
قال : وعجب القوم من كلام الأشتر ، ومن إيجازه .
قال : ومعاوية وعمرو بن العاص ومن معهما من قريش وغيرهم من