سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٣٨
حذر بأساً شديداً . واخشوا الله خشية ليست بتعذير ، واعملوا في غير رياء ولا سمعة ، فإن من عمل لغير الله وكله الله إلى ما عمل له ، ومن عمل لله مخلصاً تولى الله أجره .
وأشفقوا من عذاب الله ، فإنه لم يخلقكم عبثاً ، ولم يترك شيئاً من أمركم سدى ، قد سمى آثاركم ، وعلم أعمالكم ، وكتب آجالكم . فلا تُغروا بالدنيا فإنها غرارة بأهلها ، مغرور من اغتر بها ، وإلى فناء ما هي : وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ . أسأل الله منازل الشهداء ، ومرافقة الأنبياء ، ومعيشة السعداء ، فإنما نحن له وبه ) .
أقول : هذا مفتتح خطبة لأمير المؤمنين ( ٧ ) في المدينة ، قد يكون قاله أيضاً لأهل الكوفة ، ورواية ابن قتيبة أكمل من هذه . كما ورد عن الإمام زين العابدين ( ٧ ) شبيهه ، فيكون أخذه من جده أمير المؤمنين ( ٧ ) .
وروى اليعقوبي ( ١ / ١٩٣ ) خطبةً مختلفة ، قال : ( لما قدم علي الكوفة قام خطيباً فقال بعد حمد الله والثناء عليه والتذكير لنعمه والصلاة على محمد وذكره بما فضله الله به : أما بعد أيها الناس ، فأنا فقأت عين الفتنة ولم يكن ليجترئ عليها أحد غيري ، ولو لم أكن فيكم ما قوتل الناكثون ، ولا القاسطون ، ولا المارقون ، ثم قال : سلوني قبل أن تفقدوني فإني عن قليل مقتول ، فما يحبس أشقاها أن يخضبها بدم أعلاها ، فوالذي فلق البحر وبرأ النسمة لا تسألوني عن شئ فيما بينكم وبين الساعة ، ولا عن فتنة تضل مائة أو تهدي مائة ، إلا أنبأتكم بناعقها وقائدها وسائقها إلى يوم القيامة . إن القرآن لا يعلم علمه إلا من ذاق طعمه ، وعلم بالعلم جهله ، وأبصر عمله ، واستمع صممه ، وأدرك به مأواه ، وحي به إن مات ، فأدرك به الرضى من الله ، فاطلبوا ذلك عند أهله ، فإنهم في بيت الحياة ، ومستقر القرآن ، ومنزل الملائكة ، وأهل العلم الذين يخبركم عملهم عن علمهم ، وظاهرهم عن باطنهم هم الذين ، لا يخالفون الحق ، ولا يختلفون فيه ، قد مضى فيهم من الله حكم صادق ، وفي ذلك ذكرى للذاكرين .
أما أنكم ستلقون بعدي ذلاً شاملاً ، وسيفاً قاتلا ً ، وأثرة قبيحة ، يتخذها الظالمون عليكم سنة تفرق جموعكم ، وتبكي عيونكم ، وتدخل الفقر بيوتكم ، وستذكرون ما أقول لكم عن قليل ، ولا يبعد الله إلا من ظلم ) !