سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٣٥١
عن الحر بن الصياح النخعي : أن الأشتر كان يومئذ يقاتل على فرس له ، في يده صفيحة يمانية إذا طأطأها خلت فيها ماء منصباً ، فإذا رفعها كاد يغشي البصر شعاعها ، ويضرب بسيفه قدماً وهو يقول : الغمرات ثم ينجلينا ! قال : فبصر به الحارث بن جمهان الجعفي والأشتر مقنع في الحديد فلم يعرفه فدنا منه وقال له : جزاك الله منذ اليوم عن أمير المؤمنين وجماعة المسلمين خيراً ، فعرفه الأشتر فقال : يا ابن جمهان أمثلك يتخلف اليوم عن مثل موطني هذا الذي أنا فيه ؟ فتأمله ابن جمهان فعرفه ، وكان الأشتر من أعظم الرجال وأطوله ، إلا أن في لحمه خفة قليلة قال : جعلت فدك ، لا والله ما علمت مكانك حتى الساعة ، ولا أفارقك حتى أموت !
عن زيد بن وهب : أن علياً لما رأى ميمنته قد عادت إلى موقفها ومصافها وكشف من بإزائها حتى ضاربوهم في مواقفهم ومراكزهم ، أقبل حتى انتهى إليهم فقال : إني قد رأيت جولتكم وانحيازكم عن صفوفكم ، يحوزكم الجفاة الطغام وأعراب أهل الشام ، وأنتم لهاميم العرب ، والسنام الأعظم ، وعمار الليل بتلاوة القرآن ، وأهل دعوة الحق إذ ضل الخاطئون . فلولا إقبالكم بعد إدباركم وكركم بعد انحيازكم ، وجب عليكم ما وجب على المُولي يوم الزحف دبره ، وكنتم فيما أرى من الهالكين !
ولقد هون عليَّ بعض وجدي ، وشفى بعض أحاح نفسي أني رأيتكم بأخرة حزتموهم كما حازوكم ، وأزلتموهم عن مصافهم كما أزالوكم ، تحوزونهم بالسيوف ليركب أولهم آخرهم ، كالإبل المطردة الهيم . فالآن فاصبروا ، أنزلت عليكم السكينة ، وثبتكم الله باليقين . وليعلم المنهزم أنه مسخط لربه وموبق نفسه ، وفي الفرار موجدة الله عليه ، والذل اللازم ، والعار الباقي ، واعتصار الفيئ من يده ، وفساد العيش ، وإن الفار لا يزيد الفرار في عمره ، ولا يرضي ربه . فموت الرجل محقاً قبل إتيان هذه الخصال خير من الرضا بالتلبس بها والإقرار عليها ) .
وفي جواهر المطالب للباعوني الشافعي ( ١ / ٣٢٦ ) أن خطبته هذه ( ٧ ) كانت وهو راكب على بغلة رسول الله ( ( ٦ ) ) .