سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٣٤٦
ثم نادى : أين جند الأمير ؟ فجاء أهل دمشق تحت راياتهم وعليهم الضحاك بن قيس فأطافوا بمعاوية ، فعقد لعمرو بن العاص على جميع الناس ، وساروا حتى وقفوا بإزاء أهل العراق . وقعد معاوية على منبر ينظر منه فوق رابية إلى الفريقين إذا اقتتلوا ، وأقبلت عك الشام ، وقد عصبوا أنفسهم بالعمائم ، وطرحوا بين أيديهم حجراً ، وقالوا : لا نولي الدبرأو يولي معنا هذا الحجر [ الحكر ] فصفهم عمرو خمسة صفوف ووقف أمامهم يرتجز :
يا أيها الجيش الصليب الإيمان * قوموا قياماً فاستعينوا الرحمن
إني أتاني خبر فأبكان * إن علياً قتل ابن عفان
ردوا علينا شيخنا كما كان
وأنشأ رجل من أهل الشام يقول :
تبكي الكتيبة يوم جر حديدها * يوم الوغى جزعاً على عثمانا
يسلون حق الله لا يعدونه * وسألتم لعلي السلطانا
فأتوا ببينة بما تسلونه * هذا البيان ، فأحضروا البرهانا
ولما أصبح علي ( رضي الله عنه ) غلس بصلاة الفجر ، ثم أمرأصحابه فخرجوا تحت راياتهم ، ثم جعل يدور على رايات أهل الشام ، فيقول : من هؤلاء ؟ فيسمون له ، حتى إذا عرفهم وعرف مراكزهم ، قال لأزد الكوفة : أكفوني أزد الشام ، وقال لخثعم : أكفوني خثعم ، فأمر كل قبيلة من أهل العراق أن تكفيه أختها من أهل الشام ، ثم أمرهم أن يحملوا من كل ناحية حملة رجل واحد فحملوا ، وحمل علي ( رضي الله عنه ) على الجمع الذي كان فيه معاوية في أهل الحجاز من قريش والأنصار وغيرهم ، وكانوا زهاء اثني عشر ألف فارس وعليٌّ أمامهم ، وكبروا وكبرالناس تكبيرة ارتجت لها الأرض ، فانتقضت صفوف أهل الشام ، واختلفت راياتهم ، وانتهوا إلى معاوية وهو جالس على منبره معه عمرو العاص ينظران إلى الناس فدعا بفرس ليركبه .
ثم إن أهل الشام تداعوا بعد جولتهم وثابوا ، ورجعوا على أهل العراق ، وصبر القوم بعضهم لبعض إلى أن حجز بينهم الليل ، فقتل في ذلك اليوم أناس كثير من أعلام