سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٣٤٤
ثم إن الذين تبايعوا على الموت أقبلوا إلى معاوية ، فأمرهم أن يصمدوا لابن بديل في الميمنة . وقام ابن بديل في أصحابه فقال : ألا إن معاوية ادعى ما ليس أهله ، ونازع هذا الأمر ، وصال عليكم بالأعراب والأحزاب ، قد زين لهم الضلالة ، وزادهم رجساً إلى رجسهم ، وأنتم على نور من ربكم وبرهان مبين ، فقاتلوا الطغاة الجفاة ولا تخشوهم ، وقد قاتلناهم مع النبي ( ( ٦ ) ) مرة وهذه ثانية ، والله ما هم في هذه بأتقى ولا أزكى ولا أرشد . فقاتل قتالاً شديداً هو وأصحابه .
ثم قال الطبري : إن علياً حَرَّضَ الناس يوم صفين فقال : إن الله عز وجل قد دلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم ، وتشفي بكم على الخير : الإيمان بالله عز وجل وبرسوله ( ( ٨ ) ) والجهاد في سبيل الله تعالى ذكره ، وجعل ثوابه مغفرة الذنب ، ومساكن طيبة في جنات عدن ، ثم أخبركم أنه يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص ، فسووا صفوفكم كالبنيان المرصوص ، وقدموا الدارع وأخروا الحاسر ، وعضوا على الأضراس ، فإنه أنبى للسيوف عن الهام ، والتووا في أطراف الرماح فإنه أصون للأسنة ، وغضوا الأبصار ، فإنه أربط للجأش وأسكن للقلوب ، وأميتوا الأصوات فإنه أطرد للفشل وأولى بالوقار .
راياتكم فلا تميلوها ولا تزيلوها ، ولا تجعلوها إلا بأيدي شجعانكم ، فإن المانع للذمار والصابر عند نزول الحقائق هم أهل الحفاظ الذين يحفون براياتهم ويكنفونها ، يضربون حفافيها خلفها وأمامها ، ولايضعونها .
أجزأ امرؤٌ وَقَذَ قرنه وحكَّم الله وآسى أخاه بنفسه ، ولم يكل قرنه إلى أخيه ، فيكسب بذلك لائمة ويأتي به دناءة ، وأنى لا يكون هذا هكذا وهذا يقاتل اثنين ، وهذا ممسك بيده يدخل قرنه على أخيه هارباً منه ، أو قائماً ينظر إليه ! من يفعل هذا يمقته الله عز وجل ، فلاتعرَّضوا لمقت الله سبحانه فإنما مردكم إلى الله .
قال الله عز من قائل لقوم : لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لا تُمَتَعُّونَ إِلا قَلِيلاً . وأيم الله لئن سلمتم من سيف العاجلة لا تسلمون من سيف الآخرة . استعينوا بالصدق والصبر ، فإنه بعد الصبر ينزل الله النصر ) .