سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٢٨٤
لما أقبل من صفين ، مرَّ في زهاء سبعين رجلاً [ سبع مئة ] بأرض ليس فيها ماء ، فقالوا له : يا أمير المؤمنين ليس هاهنا ماء ونحن نخاف العطش ، قالوا : فمررنا براهب في ذلك الموضع فسألناه هل بقربك ماء ؟ فقال : ما من ماء دون الفرات ، فقلنا يا أمير المؤمنين العطش وليس قربنا ماء ، فقال : إن الله تعالى سيسقيكم ، فقام يمشي حتى وقف في مكان ودعا بمساح ، وأمر بذلك المكان فكنس فأجلى عن صخرة ، فلما انجلى عنها قال ( ٧ ) : إقلبوها فرُمْنَاها بكل مَرام فلم نستطعها ، فلما أعيتنا دنا منها فأخذ بجانبها فدحا بها فكأنها كُرَة ، فرمى بها فانجلت عن ماء لم ير أشد بياضاً ولا أصفى ولا أعذب منه ، فتنادى الناس الماء ، فاغترفوا وسقوا وشربوا وحملوا ، ثم أخذ ( ٧ ) الصخرة فردها مكانها . ثم تحمل الناس فسار غير بعيد ، فقال : أيكم يعرف مكان هذه العين ؟ فقالوا : كلنا يعرف مكانها ، قال : فانطلقوا حتى تنظروا ، فانطلق من شاء الله منا فدرنا حتى أعيينا فلم نقدر على شئ ، فأتينا الراهب فقلنا له : ويحك ألست زعمت أنه ليس قبلك ماء ، ولقد استثرنا هاهنا ماءً ، فشربنا واحتملنا ! قال : فوالله ما استثارها إلا نبي أو وصي نبي ! قلنا : فإن فينا وصي نبينا ( ( ٨ ) ) !
قال : فانطلقوا إليه فقولوا له : ماذا قال له النبي حين حضره الموت ؟ قال : فأتيناه فقلنا له إن هذا الراهب قال : كذا ، وكذا ، قال : فقولوا له إن خبرناك لتنزلن ولتسلمن ، فقلنا له فقال : نعم ، فأتينا أمير المؤمنين ( ٧ ) فقلنا قد حلف ليسلمن ، قال : فانطلقوا فأخبروه أن آخر ما قال النبي : الصلاة الصلاة ، إن النبي ( ( ٦ ) ) كان واضعاً رأسه في حجري فلم يزل يقول : الصلاة الصلاة ، حتى قبض . قال : فقلنا له ذلك ، فأسلم .
وفي ذلك يقول السيد الحميري من قصيدته البائية المعروفة بالمذهبة :
ولقد سرى فيما يسير بليلةٍ * بعد العشاء مغامراً في موكبِ
حتى أتى متبتلاً في قائمٍ * ألقى قواعدَه بقاعٍ مُجدبِ
فدنا فصاحَ به فأشرف ماثلاً * كالنسر فوق شظيةٍ من مَرقب
هل قربَ قائمك الذي بُوِّأته * ماءٌ يصابُ فقال ما من مشرب
إلا بغاية فرسخين ومن لنا * بالماء بين نقا وقي سلسب