سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٢٧٩
قال ابن الأعثم في الفتوح ( ٢ / ٥٥٣ ) : ( وأقام علي بالأنبار يومين ، فلما كان في اليوم الثالث سار بالناس في برية ملساء وعطش الناس واحتاجوا إلى الماء ، قال : وإذا براهب في صومعته ، فدنا منه علي وصاح به فأشرف عليه ، فقال له علي : هل تعلم بالقرب منك ماء نشرب منه ؟ فقال : ما أعلم ذلك ، وإن الماء ليحمل إلينا من قريب من فرسخين . قال : فتركه علي وأقبل إلى موضع من الأرض فطاف به ، ثم أشار إلى مكان منه فقال : إحفروا هاهنا ، فحفروا قليلاً وإذا هم بصخرة صفراء كأنما طليت بالذهب ، وإذا هي على سبيل الرحى لاينتقلها إلا مائة رجل ، فقال علي : إقلبوها فالماء من تحتها ، فاجتمع الناس عليها فلم يقدروا على قلبها ، قال : فنزل علي عن فرسه ، ثم دنا من الصخرة وحرك شفتيه بشئ لم يسمع ، ثم دنا من الصخرة وقال : باسم الله ثم حركها ورفعها فدحاها ناحية ، قال : فإذا بعين من الماء لم تَر الناس أعذب منها ولا أصفى ولا أبرد ، فنادى في الناس أن هلموا إلى الماء قال : فورد الناس فنزلوا وشربوا وسقوا ما معهم من الظهر ، وملؤوا أسقيتهم ، وحملوا من الماء ما أرادوا ، ثم حمل على الصخرة وهو يحرك شفتيه بمثل كلامه الأول حتى رد الصخرة إلى موضعها .
ثم سار حتى نزل في الماء الذي أرادوا وإذا ماؤه متغير ، فقال علي لأصحابه : أفيكم من يعرف مكان الماء الذي كنتم عليه ؟ فقالوا : نعم يا أمير المؤمنين ، قال : فانطلقوا إليه فطلبوا مكان الصخرة فلم يقدروا عليه ، فانطلقوا إلى الراهب فصاحوا به : يا راهب ! فأشرف عليهم فقالوا : أين هذا الماء الذي هو بالقرب من ديرك ؟ فقال الراهب : إنه ما بقربي شئ من الماء ، فقالوا : بلى ! قد شربنا منه نحن وصاحبنا ، وهو الذي استخرج لنا الماء وقد شربنا منه . فقال الراهب : والله ما بني هذا الدير إلا بذلك الماء ، وإن لي في هذه الصومعة منذ كذا سنة ما علمت بمكان هذا الماء ، وإنها عين يقال لها عين راحوما ، مااستخرجها إلا نبي أو وصي نبي ، ولقد شرب منها سبعون نبياً وسبعون وصياً ! قال : فرجعوا إلى علي فأخبروه بذلك ، فسكت ولم يقل شيئاً ! ثم سار من منزله ذلك حتى نزل بمدينة هيت ، ورحل منها حتى